العودة للرئيسية
فن ونجوم

معاوية عبد المجيد ينقل ذاكرة بنغازي الاستعمارية في «الماروني الشاب»

صدرت عن دار الفرجاني النسخة العربية من رواية «الماروني الشاب» لأليساندرو سبينا، بترجمة معاوية عبد المجيد. ويعيد العمل قراءة تحولات بنغازي والمجتمع الليبي خلال العهد العثماني والاستعمار الإيطالي، مستنداً إلى سرد روائي تتخلله وثائق تاريخية ومواد صحفية وحوارات تطلب نقلها إلى العربية بحثاً لغوياً وتوثيقياً موسعاً.

••6 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
صورة شخصية لمعاوية عبد المجيد داخل مبنى ذي نوافذ كبيرة وستائر وأرضية مكسوة بالسجاد.

صدرت عن دار الفرجاني النسخة العربية من رواية «الماروني الشاب» للكاتب الإيطالي ذي الأصول السورية باسيلي شفيق خزام، المعروف أدبياً باسم أليساندرو سبينا، بترجمة معاوية عبد المجيد. ويستعيد العمل ذاكرة بنغازي وتحولات المجتمع الليبي خلال الهيمنة العثمانية والاستعمار الإيطالي، ضمن مشروع روائي أوسع تناول تاريخ ليبيا وإقليم برقة من الغزو الإيطالي عام 1911 حتى ظهور النفط وتأثيره في المجتمع.

وقال الناشر غسان الفرجاني إن بداية تعرفه إلى مشروع سبينا تعود إلى عام 2014، عندما تواصل معه مترجم يعمل من الإيطالية إلى الإنجليزية وأطلعه على أعمال الكاتب المنشورة تحت اسمه المستعار.

11
أعمال مشروع سبينا

وأوضح أن المشروع كان يتألف من سلسلة تضم 11 عملاً، تتجاوز في مجموعها ألف صفحة، وتروي سيرة ليبيا، مع تركيز خاص على إقليم برقة، عبر مراحل تاريخية ممتدة. وأضاف الفرجاني أن الدار تمكنت في تلك المرحلة من نشر جزأين باللغة الإنجليزية، لكنها لم تنجح في العثور على مترجمين ينقلون الأعمال مباشرة من الإيطالية إلى العربية، فانتهت المدة المحددة في عقد الحقوق.

وبعد عودته إلى ليبيا عام 2021 واعتماد خط تحريري جديد يركز على الروايات، قررت الدار استعادة الحقوق العربية للمشروع، ثم تواصلت مع معاوية عبد المجيد بعدما رُشح للمهمة استناداً إلى أعماله السابقة.

مسار الدار لاستعادة حقوق مشروع سبينا

بدأت أعمال سبينا المتعلقة بليبيا في الظهور باللغة الإيطالية منذ مطلع ستينيات القرن العشرين، وكانت روايته الأولى «الزمان والفساد» قد صدرت عام 1962.

وفي عام 2006 صدر عمله المتصل بتاريخ ليبيا الحديث بعنوان «حدود الظل»، وهو مؤلف من ثلاثة أعمال روائية، من بينها رواية «الماروني الشاب» التي اختارتها الدار لتقديم هذا العالم الأدبي إلى القارئ العربي. ويرجع عبد المجيد بداية اتصاله بالمشروع إلى عام 2022، على ما يتذكر، حين حدثه غسان الفرجاني عن سيرة أليساندرو سبينا وأعماله.

وقال إن قصة الكاتب أثارت حماسته منذ البداية، نظراً إلى حياته الاستثنائية وارتباطها المباشر بمدينة بنغازي ومرحلة الاستعمار الإيطالي، قبل أن يطلب قراءة الرواية كاملة، تمسكاً بعادته في الاطلاع على أي عمل قبل الالتزام بترجمته.

سيرة سبينا بين بنغازي وإيطاليا

وُلد الكاتب، واسمه الحقيقي باسيلي شفيق خزام، في بنغازي عام 1927، في منتصف فترة الاستعمار الإيطالي لليبيا. وينحدر من أسرة سورية من موارنة حلب؛ إذ انتقل والده شفيق جورج خزام إلى بنغازي للعمل في التجارة، وأنشأ مصنعاً للنسيج عام 1929. وما زال أهالي المدينة، وفق عبد المجيد، يطلقون اسم «مصنع خزام» على المنطقة المرتبطة بذلك المصنع.

درس خزام في المدارس الإيطالية، ثم انتقل إلى ميلانو، حيث درس الآداب في جامعتها وتخرج بأطروحة تناولت الكاتب ألبرتو مورافيا. وعاد بعد ذلك إلى بنغازي ليتولى إدارة ممتلكات العائلة حتى عام 1979، عندما استولى نظام القذافي على تلك الممتلكات.

عندها انتقل إلى إيطاليا، التي يحمل جنسيتها، وافتتح أعمالاً هناك واستقر لكتابة روايات انصب معظمها على فظائع الاستعمار الإيطالي في ليبيا. قال عبد المجيد إنه وجد نفسه، منذ شروعه في قراءة «الماروني الشاب»، أمام عالم مختلف، وإنها ربما كانت المرة الأولى التي يعترف فيها بصعوبة ترجمة عمل تحمس له منذ البداية.

وأضاف أن الرواية من الأعمال القليلة التي يميل إلى وصفها صراحة بأنها «عمل أدبي»، لما تنطوي عليه من بناء لغوي وحواري فرض عليه مواجهة صعوبات غير معتادة خلال نقلها إلى العربية. وأوضح أن أكثر ما جذبه كان قدرة سبينا على تبديل نبرة الحوار تبعاً لهوية الشخصيات ومواقعها.

فالحديث بين إيطاليين داخل إيطاليا يختلف كلياً عن حوار شابين مارونيين في ليبيا، كما يختلف عن الكلام المتبادل بين ضابط إيطالي مستعمر وتاجر ماروني يعيش في البلاد. وكان الحفاظ على هذه الفروق في النسخة العربية من أبرز التحديات التي واجهت المترجم. ووصف عبد المجيد حوار سبينا بأنه مسرحي وثقيل البناء، بل يمكن اعتباره «نخبوياً»، لأنه لا يقدم قراءة سهلة ويضع القارئ أمام ما يشبه المحاكمة.

كما لفت إلى أن الرواية كُتبت ونُشرت في سبعينيات القرن الماضي، قبل تشكل ما سماه «ماكينة العولمة»، معتبراً أنها كُتبت من أجل الأدب ونُشرت من أجل القراءة، لا استجابة لمتطلبات سوق أدبية عالمية لاحقة.

تحديات نقل أصوات الشخصيات إلى العربية

ويرى المترجم أن الرواية تتيح للقارئ العربي التعرف إلى زاوية جديدة وغير مألوفة لمرحلة الاستعمار الإيطالي في ليبيا، بينما يمكن للكتاب والنقاد الإفادة من أسلوبها الرصين وطريقتها المختلفة في معالجة أحداث ووقائع معروفة. ولا تقتصر قيمتها، بحسب حديثه، على موضوعها التاريخي، بل تشمل أيضاً تقنيات الحوار وبناء الشخصيات ودمج المواد الوثائقية داخل الحدث الروائي.

ورغم انشغاله الطويل بذاكرة بنغازي أثناء الترجمة، قال عبد المجيد إنه لم يزر المدينة أو ليبيا من قبل، وإنه يتمنى القيام بذلك. وأوضح أن الأدب قادر على إعادة تشكيل صورة حتى المدن التي يعرفها المرء وولد وعاش فيها، فكيف بمدينة ينظر إليها من خلال نص يتناول حقبة انقضت، بعدما مرت ليبيا بأزمنة وأحداث كثيرة وتغيرت الحياة فيها بدرجة كبيرة.

وأضاف أنه تخيل بنغازي في الرواية كما لو كانت صورة بالأبيض والأسود: مدينة تزدهر فيها التجارة، ويطمع فيها الغزاة، فتقاوم وتصمد ثم تنكسر وتنهض من جديد.

بنغازي بوصفها مرآة لتحولات المجتمع الليبي

وبيّن أن هذه التحولات لا تظهر من خلال وصف المكان وحده، بل تنعكس على شخصيات المدينة نفسها، وكذلك على الشخصيات الوافدة إليها بقصد الاحتلال وإخضاع سكانها، بحيث تصبح أحوال الشخصيات وسيلة لرؤية أحوال بنغازي. وترصد الرواية تحولات المجتمع الليبي على مدى نصف قرن في ظل الهيمنة العثمانية ثم الاستعمار الإيطالي.

وقال عبد المجيد إن تداخل الأزمنة كان أحد أسباب صعوبة العمل، لأن سبينا لا يضع فواصل زمنية مباشرة أو حادة، بل يجعل المراحل تتداخل تدريجياً، فلا ينتبه القارئ إلى الانتقال بينها إلا بعد مرور وقت على تطور الأحداث.

وللتعامل مع هذه البنية، اعتمد عبد المجيد على إعادة قراءة ما يترجمه أولاً بأول، ثم قرر ترك الانتقالات الزمنية تسير كما صاغها المؤلف من دون تدخل يفرض عليها فواصل غير موجودة في الأصل.

وفي موازاة ذلك، توسع في القراءة عن المراحل التاريخية التي تغطيها الرواية، وبحث في كل ما تمكن من الوصول إليه عن سبينا نفسه، سعياً إلى فهم مزاجه وطريقة بنائه للعالم الروائي. وخلص المترجم من قراءاته إلى أن التركيز الأساسي يقع على نضج شخصية الماروني الذي يعبر تلك التحولات كلها وهو يعيش حالة اغتراب مفهومة، بالتوازي مع تطور خيارات المستعمر الإيطالي.

ويظهر المجتمع الليبي في النتيجة بوصفه الإطار الذي تجري داخله تحولات الشخصية الرئيسية وخيارات القوة الاستعمارية، من دون أن يكون مجرد خلفية مكانية للأحداث. ولا تعتمد «الماروني الشاب» على السرد الأدبي وحده، إذ تتداخل فيها مواد صحفية ووثائق تاريخية وحوارات واقتباسات مأخوذة من مصادر تعود إلى المرحلة التي تتناولها.

وأوضح عبد المجيد أن القارئ يتعامل مع هذه المواد باعتبارها جزءاً من البناء الروائي، لكن المترجم يراها أيضاً نصوصاً مقتبسة من أعمال أخرى تختلف لغتها عن أسلوب سبينا، وهو ما يفرض إظهار هذا الاختلاف في الترجمة العربية.

وقال إن صهر تلك النصوص في أسلوب واحد كان سيجعلها تبدو كما لو أن المؤلف كتبها بنفسه، لذلك حرص على الحفاظ على استقلالها الأسلوبي. كما رأى أن احترام المترجمين الذين سبق أن نقلوا بعض تلك الأعمال إلى العربية يقتضي استعادة أسمائهم، باعتبار ذلك اعترافاً بفضلهم وتقديراً لما قدموه إلى القارئ العربي.

وقادته هذه المهمة إلى رحلة بحث مستقلة عن الترجمات العربية السابقة للمواد الصحفية والوثائق التاريخية والكتب والروايات التي اقتبس منها سبينا. وتمكن من العثور على أغلبها، وإن لم يعثر عليها جميعاً، وأثبت في الحواشي أسماء المترجمين والناشرين.

وفي الحالات التي واجه فيها اقتباسات لم تُترجم سابقاً إلى العربية، تولى ترجمتها وحاول تغيير الأسلوب بما يلائم طبيعة النص الأصلي المقتبس ويميّزه عن صوت الروائي.

وأكد عبد المجيد، في الوقت نفسه، أن الطابع الوثائقي لهذه النصوص لا يخرجها من صميم الرواية؛ فهي جزء أساسي وأصيل من الحكاية، وقراءتها ضرورية لفهم ما وقع وما سيقع لاحقاً. وبذلك تتحول الوثائق والمواد الصحفية والاقتباسات من شواهد تاريخية ملحقة بالسرد إلى عناصر فاعلة في الحدث الروائي نفسه.