أطلق بن أفليك ومات ديمون صندوقاً لتمويل وإنتاج الأفلام المستقلة ودعم المخرجين الصاعدين، عبر ذراع جديدة تابعة لشركتهما آرتستس إكويتي، مع اعتماد نظام مالي يتيح لصناع الفيلم المشاركة مباشرة في عائداته بدلاً من معاملتهم باعتبارهم بنداً في تكاليف الإنتاج فقط.
آرتستس إكويتي تطلق ذراعاً للسينما المستقلة
وأعلنت الشركة، التي أسسها أفليك وديمون عام 2022، إنشاء قسم باسم «آرتستس إكويتي إندبندنت بيكتشرز»، يتولى تمويل أفلام مستقلة وإنتاجها بهدف عرضها في دور السينما. وتقول الشركة إن النموذج الجديد يسعى إلى الجمع بين الطموح الفني والانضباط المالي، في وقت تضيق فيه فرص تمويل المشروعات التي يقودها مخرجون في بداية مسيرتهم.
ولم تعلن الشركة قيمة الصندوق، كما لم تحدد عدد الأفلام المقرر تمويلها سنوياً أو الشروط المالية الخاصة بكل مشروع. وقال أفليك وديمون إن السينما المستقلة اضطلعت بدور أساسي في اكتشافهما وتطوير تجربتهما، وإن القسم الجديد يستهدف توفير فرصة حقيقية للأصوات الصاعدة، وتوسيع نطاق القصص التي تنتجها الشركة، وتلبية طلب جمهور لا يزال يبحث عن أفلام مستقلة عالية الجودة.
ويرتبط المشروع ببداية مسيرة أفليك وديمون، وهما صديقا طفولة نشآ معاً في كامبريدج بولاية ماساتشوستس. وخلال سنواتهما المهنية الأولى، واجها صعوبة في الحصول على أدوار كبيرة، قبل أن يكتبا فيلم «غود ويل هانتنغ» ويؤديا فيه دورين رئيسيين، في تجربة شكلت نقطة التحول في مسيرتهما داخل هوليود.
وتناول الفيلم قصة شاب يعمل في التنظيف داخل جامعة مرموقة، قبل أن يكتشف أستاذ قدراته الاستثنائية في الرياضيات. وجسد ديمون الشخصية الرئيسية، بينما أدى أفليك دور صديقه، وتولى غاس فان سانت إخراج العمل الذي عُرض عام 1997 ونقل مؤلفيه الشابين إلى دائرة الشهرة.
وحصل «غود ويل هانتنغ» على تسعة ترشيحات لجوائز الأوسكار، وفاز بجائزتين خلال حفل عام 1998؛ الأولى لروبن ويليامز بصفته أفضل ممثل مساعد، والثانية لأفليك وديمون عن أفضل سيناريو أصلي. وجاء النجاح بعد سعي الكاتبين والممثلين الشابين إلى حماية النص والأدوار التي كتباها لنفسيهما.
ولا تتطابق ظروف ذلك الفيلم تماماً مع طبيعة المشروعات التي يستهدفها الصندوق الجديد، إذ يركز القسم المستحدث على المخرجين وغيرهم من صناع الأفلام في بداية مسيرتهم. غير أن التجربتين ترتبطان بعقبة التمويل والتوزيع، حيث لا تكفي الموهبة وحدها عندما تظل قرارات الإنتاج محصورة في مؤسسات تتردد في المخاطرة بأسماء غير معروفة.
ومن خلال المبادرة، يعيد أفليك وديمون توظيف النفوذ الذي اكتسباه خلال عملهما في هوليود لتوفير الفرصة التي سعيا إليها في شبابهما، بعدما تنقلا خلال العقود التالية بين الأفلام المستقلة والإنتاجات التجارية الكبرى. وبالتوازي مع حضوره ممثلاً، بنى أفليك مسيرة بصفته كاتباً ومخرجاً ومنتجاً.
أفليك وديمون يستثمران خبرتهما لدعم مخرجين جدد
وعُرف أفليك لدى الجمهور العربي بأدواره في أفلام من بينها «باتمان ضد سوبرمان: فجر العدالة» و«فرقة العدالة». وخلف الكاميرا، تُوجت مسيرته بفوز فيلمه «أرغو» بجائزة أوسكار أفضل فيلم عام 2013، إلى جانب أعمال أخرى جمع فيها بين الإخراج والإنتاج والتمثيل. وبدأ القسم الجديد تشكيل قائمته بمشروعين يقودهما مخرجان يخوضان تجربتهما الأولى في إخراج فيلم روائي طويل.
ويحمل المشروع الأول عنوان «امرأة في الشمس»، وهو التجربة الإخراجية الأولى لجوليا كوكس، كاتبة فيلم «نياد» الذي نالت بطلته آنيت بنينغ وممثلته المساعدة جودي فوستر ترشيحين لجوائز الأوسكار. وتشارك في بطولة «امرأة في الشمس» رينيه زيلويغر وسيسي سبيسك وميا ثريبلتون، وتدور أحداثه في إطار درامي عائلي.
ويمنح المشروع كوكس فرصة الانتقال من كتابة أفلام يتولى آخرون إخراجها إلى تحمل المسؤولية الكاملة عن تنفيذ رؤيتها السينمائية في فيلم طويل. أما المشروع الثاني فهو «داون ريفر»، أول فيلم روائي طويل يخرجه سام جونز بعد تجربته في العمل التلفزيوني، التي شملت إخراج حلقات من مسلسل «تيد لاسو».
ويشارك جونز في كتابة السيناريو مع الروائي والصحفي كارل هياستن، بينما تنتج آرتستس إكويتي الفيلم بالتعاون مع شركات ومنتجين مستقلين. ولا يشير وجود ممثلات حاصلات على الأوسكار ومنتجين ذوي خبرة ضمن هذه المشروعات إلى أن الصندوق سيقتصر بالضرورة على أفلام صغيرة.
النموذج المالي يمنح المبدعين حصة من العوائد
وتظهر القائمة الأولى توجهاً نحو تقليل المخاطر المرتبطة بإسناد فيلم إلى مخرج جديد، من خلال إحاطته بفريق معروف، مع إبقاء المشروع تحت قيادته بدلاً من نقله إلى مخرج أكثر شهرة. ولا تقتصر المبادرة على توفير التمويل، بل تعتمد النموذج المالي الذي قامت عليه شركة آرتستس إكويتي.
ويعامل هذا النموذج الكاتب والمخرج والممثل والمنتج كشركاء يمكنهم الحصول على جزء من العائد عند نجاح الفيلم، بدلاً من اعتبارهم تكلفة تُدفع مقدماً وتنتهي صلتها المالية بالمشروع عند إتمام العمل.
وأوضح أفليك أن الشركة تعوض أصحاب الوظائف الإبداعية الرئيسية بطريقة مماثلة لمعاملة المستثمرين الذين يضعون أموالهم في الإنتاج، عوضاً عن إحالتهم إلى صناديق مكافآت منفصلة أو حسابات أرباح معقدة يصعب تتبعها. ويرتبط هذا الطرح بمشكلة تاريخية في هوليود تتعلق بآلية احتساب صافي أرباح الأفلام.
فقد يحقق الفيلم إيرادات كبيرة في ظاهر الحسابات، لكن خصم تكاليف التوزيع والتسويق والمصروفات الداخلية قد يؤدي إلى عدم ظهور أرباح قابلة للتوزيع. ويسعى نموذج أفليك إلى ربط مستحقات الشركاء بمسار مالي أوضح، بما يسمح لصاحب العمل الإبداعي بمعرفة موقعه إلى جانب المستثمر، لا في نهاية سلسلة طويلة من الحسابات.
وقال أفليك إن الاستوديوهات اعتادت التعامل مع الفنانين باعتبارهم جزءاً من كلفة الفيلم، لأنهم يتقاضون أجورهم قبل عرضه ولا يتحملون المخاطر نفسها التي يتحملها الممول. ويرى أن منحهم مسؤولية أكبر وحصة أكثر وضوحاً من العائد يمكن أن يجعل مصالحهم متوافقة مع مصالح المستثمرين.
الصندوق يراهن على العرض السينمائي والإنتاج المحلي
وبدأت آرتستس إكويتي اختبار هذا النموذج في فيلم «إير»، الذي أخرجه أفليك وعُرض عام 2023 بالتعاون مع أمازون، قبل أن تعمل على تطويره في مشروعاتها اللاحقة. ويأتي تخصيص الصندوق الجديد للأفلام المعدة للعرض السينمائي في ظل تحول منصات البث إلى ممول رئيسي للإنتاج خلال السنوات الأخيرة.
وتعتمد منصات البث غالباً شراء الحقوق مقابل أجر مقدم، من دون وجود إيرادات تقليدية من شباك التذاكر يمكن على أساسها احتساب حصة صناع الفيلم. ويرى أفليك أن إيرادات دور العرض قد تقترب من مستوياتها السابقة، لكن ذلك لا يثبت بالضرورة عودة أعداد المشاهدين، لأن ارتفاع أسعار التذاكر وانتشار العروض الفاخرة قد يرفعان الإيرادات رغم تراجع عدد التذاكر المباعة.
ويستهدف الصندوق أيضاً إبقاء حصة أكبر من التصوير والإنتاج داخل لوس أنجلوس، بعدما خسرت المدينة مشروعات لمصلحة ولايات ودول توفر حوافز ضريبية وتكاليف إنتاج أقل.
وبذلك تتحرك المبادرة في مواجهة تقلص مساحة الأفلام المستقلة داخل الاستوديوهات، وضعف نصيب المبدعين من عوائد البث، وتراجع الإنتاج في المدينة التي نشأت حولها صناعة هوليود. ويربط أفليك صعوبة التمويل كذلك بتغير مفهوم النجومية داخل الصناعة.
ففي السابق، كانت الاستوديوهات تنفق مبالغ كبيرة على بناء صورة الممثل وتسويق اسمه حتى يصبح حضوره وحده سبباً يدفع الجمهور إلى شراء التذكرة. ويعتقد أفليك أن هوليود لا تزال تضم نجوماً شباباً، بينهم زندايا وتوم هولاند وجاكوب إلوردي، لكنها باتت تمتلك عدداً أقل من الأسماء المعروفة لدى الجمهور الأميركي بمختلف أجياله ومناطقه.