تضع خمسة أفلام أنيميشن الطفل وذاكرة الطفولة في قلب تجارب الحرب، بدل التركيز على الجنود والمعارك وحدها، لتروي آثار الغارات والعنف والقيود والنزوح من موقع من لا يملك قرار خوض الصراع ولا يستطيع فهم أسبابه بالكامل.
ومن اليابان خلال الحرب العالمية الثانية إلى أفغانستان وإيران وسوريا، تتحول الأحداث التاريخية والسياسية الكبرى في هذه الأعمال إلى تفاصيل شخصية عن الخوف والفقد وانهيار الشعور بالأمان. وتستفيد الأفلام من الصلة الطويلة بين الرسوم المتحركة وعالم الطفولة، لكنها توظف هذا الوسيط البصري في تقديم موضوعات قاسية وحميمة في الوقت نفسه.
فالألوان والرسم والحكايات المتخيلة لا تخفف بالضرورة من فداحة الحرب، بل تجعل آثارها أكثر قربًا، عبر متابعة طفل يحاول العثور على الطعام، أو أسرة تغادر منزلها، أو فتاة تُجبر على تغيير مظهرها، أو شخصية تكتشف أن السياسة قادرة على اقتحام حياتها الخاصة.
«قبر اليراعات» يلاحق طفولة الأخوين وسط الغارات
في فيلم «قبر اليراعات» للمخرج الياباني إيساو تاكاهاتا، المنتج عام 1988، يتابع المشاهد قصة الأخوين سيتا وسيتسوكو خلال الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الثانية. يحاول الطفلان النجاة بعد الغارات الجوية الأميركية على اليابان، فيما يستند الفيلم إلى قصة شبه سيرة ذاتية للكاتب الياباني أكيوكي نوساكا، استمدت جزءًا من تفاصيلها من تجربة طفولته أثناء الحرب.
لا تظهر الحرب في «قبر اليراعات» بوصفها سلسلة معارك بعيدة، بل تتسلل إلى أصغر تفاصيل حياة الأخوين بعد فقدانهما المنزل والأقارب. يسعى سيتا، الأخ الأكبر، إلى إبقاء شقيقته الصغيرة داخل فقاعة متخيلة من الأمان، رغم أنه هو نفسه لا يفهم حقيقة ما يجري حولهما. وبينما ينهار عالمهما، يحاول الطفلان اختراع صورة محدودة من الحياة الطبيعية والتمسك بها.
حتى اليراعات التي يلتقطها سيتا وسيتسوكو لا تبقى مجرد جزء من لعبة طفولية. تبدأ بوصفها لحظة قصيرة من الفرح وسط الدمار، ثم تتحول إلى علامة على هشاشة الحياة وتذكير بالموت الذي قد يصل إليهما في أي وقت. ومن خلال هذا التحول، يعرض الفيلم كيف تُنتزع الطفولة تدريجيًا، وكيف تصبح أبسط لحظات اللعب محاطة بالخسارة والخوف.
بارفانا تواجه قيود طالبان بحثًا عن الطعام
تتغير حياة بارفانا بعد اعتقال والدها، إذ تجد الأسرة نفسها من دون شخص يعيلها، في ظل قيود تمنع النساء والفتيات من الخروج بمفردهن. ولتتمكن من العمل وشراء الطعام لعائلتها، تقص الفتاة شعرها وترتدي ملابس الصبيان. بذلك تُدفع إلى تحمل مسؤولية الأسرة والنضج قبل أوانها، كما تضطر مؤقتًا إلى التخلي عن صورتها كفتاة حتى تتمكن من ممارسة أبسط متطلبات الحياة اليومية.
يتحول تنكر بارفانا في هيئة صبي إلى وسيلة مباشرة للنجاة، لكنه يكشف أيضًا عن عالم ترتبط فيه القدرة على الحركة والعمل والحصول على الطعام بالنوع الاجتماعي وبالسلطة التي تفرضها الحرب. وفي مواجهة ذلك الواقع، تلجأ إلى الخيال، فتحكي لنفسها ولشقيقها قصة فتى يواجه ملكًا شريرًا من أجل إنقاذ قريته.
سوزو تحمي تفاصيل الحياة اليومية من تمدد الحرب
وتوازي الحكاية الخيالية تجربة بارفانا، بينما يكشف اختيار بطل ذكر أنها لا تستطيع حتى تخيل مغامرة تقودها فتاة مثلها. ويركز فيلم «في هذا الركن من العالم»، للمخرج الياباني سوناو كاتابوتشي، على الطريقة التي تتمدد بها الحرب داخل الحياة اليومية. أُنتج الفيلم عام 2016 واقتُبس من مانغا تحمل الاسم نفسه للكاتبة فوميو كونو.
وتدور قصته حول سوزو، التي تنتقل من هيروشيما إلى مدينة كوري بعد زواجها، لتعيش مع عائلة زوجها خلال الحرب العالمية الثانية. مع تقدم الحرب، تتزايد الغارات الجوية ويتناقص الطعام والموارد، لكن سوزو تحاول مواصلة شؤونها المعتادة، من إعداد الطعام والعناية بالمنزل إلى الرسم.
تتعلم تدبير الوجبات بما يتوافر من مؤن قليلة، وتصنع ملابس جديدة باستخدام قطع قماش قديمة، وتتمسك بعادتها في الرسم. غير أن كل مهمة بسيطة تصبح أشد صعوبة، إلى أن تصل الحرب في النهاية إلى مدينتها هيروشيما. يضع الفيلم التفاصيل المنزلية في المقدمة، كأن الحرب تقع أولًا في الخلفية قبل أن تقترب تدريجيًا وتبتلع ما حولها.
«برسوبوليس» تربط ذاكرة الطفولة بالثورة والمنفى والإيرانية الحرب؟
ويساعد الأنيميشن في الحفاظ على الطابع الحميم لهذه التجربة؛ فالألوان الناعمة والخطوط التي تحاكي أسلوب سوزو في الرسم تمنح المشاهد الأولى ملمح دفتر مذكرات شخصي، قبل أن تخترق الطائرات والغارات والدمار ذلك العالم البصري الهادئ. وفي «برسوبوليس»، من إخراج مارجان ساترابي وفنسنت بارونو وإنتاج عام 2007، تصبح ذاكرة الطفولة مدخلًا إلى التحولات السياسية والحرب والمنفى.
اقتُبس الفيلم من الرواية المصورة التي تحمل الاسم نفسه لساترابي وتستعيد فيها جانبًا من سيرتها الذاتية. تبدأ القصة بمارجي وهي طفلة في طهران خلال الثورة الإيرانية عام 1979، ثم تمتد إلى سنوات الحرب العراقية الإيرانية وما رافقها من تغيرات اجتماعية وسياسية.
تتعرف مارجي إلى الحرب والسياسة من خلال تبدل تفاصيل حياتها قبل أن تتمكن من فهم الشعارات والأحداث الكبرى. تتغير ملابسها، وما تسمعه داخل المدرسة، وحدود ما تستطيع قوله في الشارع، بينما تصبح الخطب والرقابة جزءًا من يومها.
وفي منزلها، يمنحها والداها مساحة للتساؤل والتفكير، فتقارن تدريجيًا بين الخطاب الرسمي وما تسمعه من أسرتها، وتكتشف أن الصراع السياسي يصل إلى أكثر جوانب حياة الفرد خصوصية. تنتقل مارجي لاحقًا إلى أوروبا، حيث تواجه المنفى والاغتراب، وبذلك لا تتوقف آثار الحرب عند حدود الخطر المباشر أو التحولات داخل إيران، بل تمتد إلى علاقتها بالمكان والهوية.
ويعرض الفيلم نموها بالتوازي مع اكتشافها أن العالم ليس مطابقًا للصورة التي تقدمها المؤسسات والشعارات، وأن تجربة الطفولة نفسها يعاد تشكيلها تحت ضغط الرقابة والحرب والابتعاد عن الوطن. ويتابع فيلم «دنيا وأميرة حلب»، وهو إنتاج كندي فرنسي صدر عام 2022 وأخرجته ماريّا ظريف وأندريه كادي، طفلة سورية في السادسة من عمرها تعيش مع أجدادها ووالدها في حلب.
تنقلب حياتها حين تجبر الحرب الأسرة على مغادرة المدينة والانطلاق في رحلة بحث عن الأمان، فتختبر دنيا النزوح من موقع طفلة لا تدرك الأسباب السياسية والعسكرية التي أدت إلى انهيار عالمها.
ترافق دنيا خلال الطريق حكاية «أميرة حلب» التي ترويها لها جدتها، ويتداخل العالم الأسطوري مع واقعها أثناء انتقالها من مكان إلى آخر. لا تستطيع الطفلة تفسير الصراع، لكنها تدرك نتائجه المباشرة: الخوف، وفقدان المنزل، والانفصال عن والدها، وطول الطريق نحو مكان آمن. لذلك يقدم الفيلم النزوح أولًا كتجربة طفلة فقدت عالمها، قبل أن يعرضه باعتباره قصة لاجئة.
تجمع هذه الأفلام بين شخصيات تعيش حروبًا وبيئات تاريخية مختلفة، لكنها تلتقي عند تصوير الأثر الشخصي للعنف في من لا يملكون السيطرة عليه. ففي بعضها تصبح الحكاية والخيال وسيلة للاحتمال، وفي بعضها الآخر يكون التمسك بالرسم أو اللعب أو إعداد الطعام محاولة لحماية ما تبقى من الحياة العادية.
وعبر تلك التفاصيل، تتحول الحرب من حدث سياسي أو عسكري واسع إلى تجربة يومية تعيد تشكيل الهوية والأسرة والذاكرة والطفولة نفسها.