يقترب التصنيع في بيئة الجاذبية الصغرى من التحول من تجارب علمية إلى صناعة تجارية ناشئة، مع اختبار إنتاج أدوية وأشباه موصلات وألياف ضوئية ومواد متقدمة في المدار المنخفض حول الأرض. وتدفع الشركات الخاصة بهذا الاتجاه مستفيدة من انخفاض تكاليف الإطلاق وتطور المحطات التجارية والاستعداد لنهاية عصر «محطة الفضاء الدولية»، فيما يظل التوسع مرهونا بإثبات الجدوى الاقتصادية ومعالجة التحديات التقنية والتنظيمية.
الجاذبية الصغرى تفتح مسارات إنتاج جديدة
على ارتفاع يقارب 400 كيلومتر، تراهن شركات خاصة على أن تتيح الجاذبية الصغرى تصنيع منتجات بخصائص يصعب تحقيقها على الأرض. فالجاذبية تحد من بعض العمليات الصناعية بفعل الحمل الحراري والطفو والترسيب، بينما تكون المركبات في المدار الأدنى في حالة سقوط حر مستمر، ما يضعف آثار الوزن والترسيب والحمل الحراري، ويسمح بنمو بلورات أكثر انتظاما وأقل عيوبا على المستوى الذري.
وقد يفتح ذلك المجال أمام إنتاج مواد شبه موصلة بخصائص كهربائية وبصرية أفضل، يمكن استخدامها في الاتصالات والحوسبة والإلكترونيات العالية القدرة، إلى جانب تطوير تركيبات دوائية ومواد مرتفعة القيمة في البيئة المدارية.
وأظهرت شركة «فاردا سبيس إندستريز» إمكانية معالجة مركبات دوائية في المدار ثم إعادتها إلى الأرض، بعدما أنتجت شكلا بلوريا محددا من مادة «ريتونافير» المستخدمة في علاج فيروس نقص المناعة. وفي عام 2026، أبرمت الشركة اتفاق تطوير متعدد الرحلات مع «يونايتد سيميكوندكتورز» لإنتاج أشباه موصلات في المدار لاستخدامها على الأرض.
وفي مايو/أيار 2026، وقعت «فاردا سبيس إندستريز» أيضا اتفاقية تعاون بحثي مع «يونايتد ثيرابيوتكس» لتطوير علاجات لمرض رئوي نادر. وكانت الشركة قد جمعت حتى عام 2025 تمويلا بنحو 329 مليون دولار.
بدورها، نجحت شركة «سبيس فورغ» البريطانية في توليد بلازما داخل قمر صناعي مستقل، في خطوة تجريبية نحو عمليات نمو البلورات المستخدمة في صناعة أشباه الموصلات. وفي فبراير/شباط 2026، أعلنت «وكالة الفضاء البريطانية» تمويل دراسة للشركة بقيمة 300 ألف جنيه إسترليني، أي نحو 380 ألف دولار، لبحث إنتاج بلورات أشباه الموصلات في المدار واستخداماتها المحتملة في الاتصالات ومراكز البيانات وشحن السيارات الكهربائية والحوسبة الكمية.
وسبق أن دعمت تجارب على متن «محطة الفضاء الدولية» جدوى إنتاج ألياف «زبلان» (ZBLAN)، وهي ألياف ضوئية متطورة مصنوعة من زجاج الفلوريد. وتعاني هذه المادة على الأرض من تبلور غير متجانس بسبب الجاذبية، بينما يمكن إنتاجها في الفضاء بجودة تتيح، وفق المادة المصدر، نقل بيانات تتجاوز 10 أضعاف ما تنقله ألياف السيليكا التقليدية.
منصات تجارية ونموذج اقتصادي مرتفع التكلفة
تعمل شركات أخرى على تطوير البنية التحتية اللازمة لهذه الصناعة؛ فقد أنشأت «ريدواير» مختبرا فضائيا لتبلور الأدوية، ودخلت في شراكات مع شركات دوائية لتطوير بلورات بروتينية وجزيئات دوائية مرتفعة القيمة. كما تبني «أكسيوم سبيس» محطة مستقبلية تتضمن وحدة للبحث والتصنيع، في حين يجري تطوير مشروعي «أوربيتال ريف» و«ستارلاب» ليكونا منصتين تجاريتين قد تستضيفان مرافق بحث وإنتاج.
وتشير تقديرات «المنتدى الاقتصادي العالمي» إلى احتمال نمو اقتصاد الفضاء العالمي من نحو 630 مليار دولار عام 2023 إلى 1.8 تريليون دولار بحلول عام 2035. ويعد التصنيع المداري قطاعا ناشئا داخل هذا الاقتصاد، مدفوعا بتراجع تكلفة الوصول إلى الفضاء واتساع استخدام تقنياته.
ويقوم النموذج الاقتصادي للمصانع المدارية على إنتاج سلع مرتفعة القيمة تبرر تكاليف الإطلاق والتصنيع والعودة إلى الأرض. ويختلف ذلك عن اقتصاد الأقمار الصناعية التقليدي، إذ ترتبط القيمة هنا بالمنتج المصنع في المدار، لا بالخدمة التي يقدمها القمر الصناعي من الفضاء.
وقد أسهمت الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام في خفض تكلفة الوصول إلى المدار مقارنة بعصر المكوك الفضائي، فيما تراهن الصناعة على أن تقلل المركبات الثقيلة القابلة لإعادة الاستخدام، وفي مقدمتها «ستارشيب»، هذه التكلفة بدرجة أكبر مستقبلا.
تنافس دولي وأدوار متفاوتة للدول
تقود الولايات المتحدة جانبا رئيسيا من هذا النشاط عبر الجمع بين برامج وكالة الفضاء «ناسا» وتمويل رأس المال المغامر والشركات الصناعية. ويستهدف برنامج «استخدامات الإنتاج في الفضاء» التابع ل«ناسا» تطوير تقنيات التصنيع الفضائي وتحويل الأبحاث إلى تطبيقات تجارية قابلة للتوسع، مع تعزيز دور الطلب غير الحكومي في اقتصاد المدار المنخفض.
وفي أوروبا، تستند الشركات إلى خبراتها المتراكمة من المشاركة في «محطة الفضاء الدولية»، وتشارك شركات بينها «إيرباص» و«تاليس ألينيا سبيس» في تطوير بنية المحطات التجارية. أما الصين، فتستخدم محطة «تيانغونغ» منصة وطنية خاضعة لسيطرة الدولة ضمن خطتها لتصبح قوة عظمى في الفضاء بحلول عام 2045.
وتدعم المملكة المتحدة دراسات لتصنيع الأدوية وأشباه الموصلات والألياف الضوئية في المدار، كما عملت مع الجهات المنظمة لقطاعي الأدوية والطيران المدني على إعداد مسار تنظيمي يشمل التراخيص والإرشادات والصناديق التنظيمية التجريبية.
ولا يتطلب دخول الدول الصاعدة إلى هذا القطاع بناء محطة فضائية وطنية بالضرورة؛ إذ يمكنها الاستثمار في مراكز أرضية لاختبار الحمولات، والمشاركة في وضع قواعد الملكية الفكرية، وتوفير أطر تنظيمية تستقطب شركات الفضاء الناشئة، إلى جانب بناء شراكات استراتيجية.
عوائق تقنية وقانونية أمام الإنتاج الواسع
رغم التقدم المحقق، لا تزال المصانع المدارية تواجه تحديات تقنية تشمل تطوير التشغيل الآلي المستقل، وإدارة الحرارة والطاقة، وضمان سلامة العودة إلى الأرض، والحد من آثار الاهتزازات ومخاطر الحطام الفضائي. كما تبقى التكاليف الأولية مرتفعة، ولا تزال استخدامات كثيرة في مرحلة إثبات المفهوم.
ويتوقف الانتقال إلى الإنتاج الواسع على إثبات أن القيمة المضافة للمنتجات تتجاوز تكاليف تصنيعها في المدار وإعادتها إلى الأرض. وتشير «ناسا» إلى أن بناء اقتصاد تجاري ناجح في المدار يتطلب معالجة عوائق السوق والوصول إلى العملاء، إلى جانب تطوير نماذج أعمال مربحة وتأمين الاستثمار والتمويل.
وتبرز كذلك أسئلة قانونية غير محسومة بشأن ملكية براءات الاختراع للعمليات المنفذة في المدار، وكيفية تطبيق معايير سلامة الأدوية على المنتجات التي عولجت خارج الأرض. وبذلك، يبقى تحول التصنيع المداري إلى صناعة واسعة النطاق مرهونا بخفض التكاليف، وتحقيق إنتاج متكرر وقابل للتوسع، ووضع أطر تنظيمية واضحة. وإذا تجاوز القطاع هذه العقبات، فقد تصبح الجاذبية الصغرى موردا اقتصاديا مؤثرا في سلاسل توريد الأدوية والمواد المتقدمة وأشباه الموصلات.
