العودة للرئيسية
تكنولوجيا

المادة والطاقة المظلمتان تشكلان 95% من الكون.. ماذا نعرف عنهما؟

تهيمن المادة والطاقة المظلمتان على نحو 95% من محتويات الكون، لكن ماهيتهما لا تزال مجهولة. ويعتمد العلماء على حركة المجرات وعدسات الجاذبية وتسارع تمدد الفضاء لرصد آثارهما، بينما تسعى مشروعات دولية إلى رسم خرائط أدق للكون بحثًا عن تفسير.

صوتيصوتي
صوتي3 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
المادة والطاقة المظلمتان تشكلان 95% من الكون.. ماذا نعرف عنهما؟

لا تمثل النجوم والكواكب والسدم والمجرات، وسائر المادة العادية القابلة للرصد، سوى نحو 4.9-5% من محتويات الكون، وفق القياسات الكونية الحديثة، بينما تشكل المادة المظلمة نحو 27% والطاقة المظلمة قرابة 68%. وعلى الرغم من أن هذين المكونين يهيمنان على نحو 95% من الكون، فإن طبيعتهما لا تزال مجهولة، ويستدل العلماء على وجودهما من آثارهما في حركة المجرات وتمدد الفضاء.

تأثيران متعاكسان في تطور الكون

تمنح المادة المظلمة المجرات والعناقيد المجرية جاذبية إضافية تساعد في الحفاظ على تماسكها، في حين ترتبط الطاقة المظلمة بتسارع تمدد الفضاء وتباعد المجرات. وتدعم أرصاد المراصد الأرضية والفضائية، ومن بينها مهمة إقليدس التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، هذا التصور لتركيب الكون.

وتبدو العلاقة بين مكونات الكون أقرب إلى تأثيرين متعاكسين؛ إذ تعمل جاذبية المادة العادية والمادة المظلمة على إبطاء التمدد، بينما تدفع الطاقة المظلمة الكون إلى التوسع بوتيرة متسارعة.

كيف ظهرت أدلة المادة المظلمة؟

بدأت المؤشرات المبكرة إلى وجود كتلة غير مرئية مطلع القرن العشرين، عندما قاس الفلكيون حركة النجوم داخل المجرات، وتبين أن سرعات دورانها أعلى مما يمكن تفسيره استنادًا إلى كتلتها المرئية. وفي ثلاثينيات القرن الماضي، قدم الفلكي السويسري فريتز زفيكي أول دليل على كتلة مفقودة خلال دراسته حركة المجرات في عنقود كوما.

وفي سبعينيات القرن الماضي، عززت الفلكية الأمريكية فيرا روبين هذه الفكرة، بعدما أثبتت أن النجوم الواقعة عند أطراف المجرات تدور بسرعة تقارب سرعة النجوم القريبة من مراكزها، خلافًا لما يمكن توقعه وفق توزيع المادة المرئية وحدها.

ولا تصدر المادة المظلمة الضوء، كما لا تمتصه أو تعكسه، ولذلك لا تستطيع التلسكوبات التقليدية رصدها مباشرة. لكن تأثيرها الجاذبي يظهر في سرعات دوران المجرات، وفي ظاهرة عدسات الجاذبية، حيث ينحني ضوء المجرات البعيدة عند مروره قرب كتل ضخمة غير مرئية.

ويرى علماء الكونيات أن المادة المظلمة أدت دور «سقالة كونية»، إذ ساعدت جاذبيتها، على مدى مليارات السنين، في تجميع المادة العادية في المناطق التي نشأت فيها النجوم والمجرات والعناقيد. ومع ذلك، لا تزال طبيعتها مجهولة؛ وتفترض نظريات أنها قد تتكون من جسيمات دون ذرية غير مكتشفة، مثل الجسيمات الثقيلة ضعيفة التفاعل أو الأكسيونات، فيما يستبعد العلماء أن تكون مادة عادية أو مادة مضادة أو ثقوبًا سوداء.

وبحسب التصورات العلمية المطروحة، قد تعبر مليارات من جسيمات المادة المظلمة أجسام البشر كل ثانية من دون أن يشعروا بها، بسبب ندرة تفاعلها مع المادة العادية.

الطاقة المظلمة وتسارع تمدد الفضاء

يأتي أثر الطاقة المظلمة معاكسًا لأثر المادة المظلمة، إذ ترتبط بدفع الفضاء نحو تمدد متسارع. وظهرت آثارها عام 1998، عندما درس فريقان دوليان انفجارات مستعرات عظمى بعيدة، واكتشفا أن تمدد الكون يتسارع بدلًا من أن يتباطأ بفعل الجاذبية كما كان متوقعًا.

ولا يزال تفسير الطاقة المظلمة موضع بحث. ومن أبرز الفرضيات المطروحة أنها طاقة كامنة في الفراغ نفسه، أو حقل كوني متغير، أو أن التصور الحالي للجاذبية يحتاج إلى تعديل.

نحن نعرف كيف تتصرف الطاقة المظلمة، لكننا لا نعرف ماهيتها.

خرائط المجرات بحثًا عن إجابات

يعمل مشروع «ديسي» (DESI) في الولايات المتحدة ومهمة إقليدس (Euclid) الأوروبية على رسم خرائط لملايين المجرات، بهدف بحث ما إذا كانت خصائص الطاقة المظلمة ثابتة بمرور الزمن أم متغيرة. وقد تؤثر الإجابة عن هذا السؤال في فهم العلماء لتاريخ الكون ومستقبله.

وتشارك في هذه الأبحاث وكالة الفضاء الأوروبية «إيسا» (ESA) عبر مهمة إقليدس، ومختبر فيرمي الوطني للتسريع (Fermilab)، وشراكة مشروع «ديسي»، إلى جانب برامج تعليمية وبحثية أخرى. كما تواصل ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية تطوير أدوات أدق لرسم خرائط المادة والطاقة المظلمتين.

وبعد ما يقارب قرنًا من ظهور أولى الدلائل على المادة المظلمة، لا يزال تفسير نحو 95% من محتويات الكون في مراحله الأولى، ما يجعل أي اكتشاف جديد محتملًا لإعادة تشكيل التصورات المتعلقة بأصل الكون وتطوره ومصيره.