العودة للرئيسية
سياحة وسفر

رحالة جزائري يروي أفغانستان التي عرفها بين كابل وبلخ

تنقل الأكاديمي والرحالة الجزائري محمد ميمون في سبتمبر 2026 بين كابل وغزني ومزار الشريف وبلخ، في محطته الدولية الـ119. ووثّق خلال الرحلة تفاصيل الحياة اليومية والضيافة والمطبخ والمواقع التاريخية، إلى جانب الفقر وضعف بعض الخدمات والقيود الاجتماعية، مؤكداً أن فهم أفغانستان يتطلب الاقتراب من مجتمعها والاستماع إلى سكانها.

••6 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
رجل مسن يرتدي سترة داكنة يجلس على عشب في حديقة محاطاً بأطفال. يظهر أشخاص آخرون وأشجار في الخلفية.

وصل الأكاديمي والرحالة الجزائري محمد ميمون إلى كابل في سبتمبر/أيلول 2026، ليبدأ رحلة بين عدد من المدن الأفغانية بحثاً عن صورة تتجاوز ما عرفه عن البلاد من الأخبار والكتب.

ميمون يبدأ رحلته الأفغانية بين المدن

119
الدولة التي زارها ميمون

وكانت أفغانستان الدولة الـ119 التي يزورها بعد تجواله في 118 دولة، لكنه دخلها هذه المرة محملاً بانطباعات سابقة تشكلت حول بلد ارتبط لعقود بالحروب والصراعات والأزمات. لم يتعامل ميمون مع زيارته باعتبارها جولة سياحية سريعة، بل أراد الاقتراب من تفاصيل المجتمع واختبار الفارق بين الصورة المتداولة عن أفغانستان وما يمكن رؤيته على الأرض.

ولهذا تنقل بين كابل وغزني ومزار الشريف وبلخ، وزار أسواقاً ومساجد وحدائق ومواقع تاريخية، كما التقى أكاديميين وطلاباً وإعلاميين وأشخاصاً من الحياة اليومية. ويجمع ميمون بين السفر والعمل الأكاديمي، فهو أستاذ جامعي ومدرب في الإدارة والتخطيط الإستراتيجي، وتزيد مسيرته المهنية على عقدين.

وعمل مديراً تنفيذياً للأكاديمية العربية العالمية للتدريب والتطوير في بيروت بين عامي 2009 و2017، كما تولى إدارة المعهد الإسلامي لتدريب الأئمة والدعاة في الجزائر. وقد جعل هذا المزج بين التعليم والترحال من أسفاره وسيلة لاكتشاف الثقافات ومراجعة الصور النمطية عن المجتمعات. يقول ميمون إن جوانب كثيرة مما وجده في أفغانستان اختلفت عن توقعاته.

كابل اليومية بين الأسواق والحدائق

ففي كابل شاهد مدينة تتحرك بإيقاع حياتها اليومية، من الأسواق والمطاعم والأحياء إلى الحدائق والعائلات والأطفال. وفي الوقت نفسه، لا يقدم تجربته في صورة مثالية، إذ لاحظ الفقر ومحدودية بعض الخدمات وآثار عقود من الحرب، فضلاً عن قيود اجتماعية قال إنه لمسها خلال جولته. بدأت تجربته في العاصمة بإجراءات وصول وصفها بالسريعة في مطار كابل، قبل أن ينتقل مباشرة إلى شوارع المدينة.

واتجه في بداية الرحلة إلى بحيرة قرغه وحدائق بغمان، ثم واصل التنقل بين الأسواق والمطاعم والأحياء، مراقباً تفاصيل الحياة التي لا تظهر عادة في التغطيات المرتبطة بالأحداث السياسية والأمنية. وفي حدائق بابر، استوقفته مساحة خضراء هادئة داخل مدينة ارتبط اسمها في ذاكرة كثيرين بالحرب والصراع.

كما زار مسجد شاه دو شمشيرة ومسجد پل خشتي، وتجول في منطقة مندوي. ولم يقتصر اهتمامه على المعالم، إذ كان يسأل عن ظروف الحياة اليومية ويتحدث إلى أكاديميين وإعلاميين وطلاب وأشخاص صادفهم أثناء تنقله. ويقول ميمون إن الضيافة كانت من أكثر التفاصيل التي بقيت في ذاكرته عن كابل.

فقد شعر في أكثر من مناسبة بأنه يُستقبل باعتباره ضيفاً يرغب الناس في التعرف إليه، وفي الوقت نفسه يريدون تعريفه ببلادهم. ومع تقدم الرحلة، أصبحت اللقاءات الإنسانية أكثر حضوراً في تجربته من مجرد مشاهدة الأماكن أو تسجيل المحطات السياحية. ومن العاصمة انتقل ميمون إلى ولاية غزني، التي سبق أن عرفها من الكتب باعتبارها محطة مهمة في تاريخ المنطقة.

غزني تكشف أفغانستان التاريخية

لكنه أراد رؤية آثار ذلك التاريخ على الأرض، ويقول إن الزيارة جعلته يشعر بما يصفه بـ«أفغانستان التاريخية»، وهي صورة تتجاوز واقع البلاد المعاصر إلى إرث مرتبط بالحضارة الإسلامية ومدن خراسان الكبرى.

ويرى الرحالة الجزائري أن هذا الإرث يحتاج إلى مزيد من الحماية والعناية، لأن قيمة المواقع التاريخية لا تقتصر، في نظره، على كونها مباني قديمة، بل تنبع من احتفاظها بطبقات من تاريخ أفغانستان وذاكرتها الثقافية. وقد وجد في المدن التي زارها اتصالاً بين المعالم التاريخية والناس الذين يعيشون حولها، لا آثاراً منفصلة عن حاضر المجتمع.

ويتوافق هذا الانطباع مع موقف الباحث الأثري كتاب خان فيضي، الذي شدد على ضرورة استناد أعمال ترميم المواقع التاريخية إلى البحث العلمي والتوثيق. ودعا فيضي إلى استكمال الدراسات الخاصة بكل موقع قبل الشروع في إعادة بنائه أو ترميمه، مؤكداً أهمية معرفة تاريخ الموقع وخصائصه بصورة دقيقة قبل تنفيذ أي أعمال فيه.

ولا يحصر فيضي عملية الحفاظ على المواقع في الترميم وحده، بل يدعو إلى الجمع بين البحث الأثري والتوثيق والترميم والحماية. كما يشدد على ضرورة تضافر جهود المؤسسات والباحثين والجهات المعنية، بما يضمن صون الآثار والمعالم التاريخية والحفاظ على قيمتها بوصفها جزءاً من ذاكرة البلاد.

مزار الشريف وبلخ وامتداد الذاكرة الثقافية

واصل ميمون طريقه من غزني إلى مزار الشريف، حيث وجد حضوراً قوياً للرمزية الدينية والتاريخية، ثم انتقل منها إلى بلخ التي رأى فيها امتداداً لذاكرة المنطقة. ويقول إن مزار الشريف وبلخ كانتا من أكثر محطات الرحلة تأثيراً فيه، لأنه شعر هناك بأنه يقف أمام صفحات حية من تاريخ المنطقة، وليس أمام آثار معزولة عن واقعها الراهن.

وكانت اللقاءات مع الأفغان عنصراً أساسياً في تكوين انطباعاته. وفي أحد تلك اللقاءات، فوجئ بأن بعض الطلاب يدرسون «الآجرومية» في النحو، وهو متن وضعه العالم المغربي ابن آجروم الصنهاجي. ورأى ميمون في ذلك تفصيلاً يكشف امتداد الروابط الثقافية وقدرتها على الظهور في أماكن بعيدة جغرافياً عن موطن النص الأصلي.

وشكل المطبخ الأفغاني مدخلاً آخر لفهم الثقافة المحلية خلال الرحلة. ويقول ميمون إن طبق قابلي بالاو كان من أبرز الأطعمة التي بقيت في ذاكرته، إلى جانب الكباب والخبز الأفغاني. كما لفتت انتباهه الفواكه التي تناولها أو شاهدها، ومنها العنب والرمان والشمام.

أما الشاي الأفغاني فلم يثر لديه الحماس نفسه الذي أثارته الأطعمة الأخرى، لكنه رأى أن قيمة جلساته تتجاوز مذاق المشروب. فقد وفرت تلك الجلسات مساحة للحديث والتعارف، وتحولت الموائد إلى جزء من الرحلة الثقافية، إذ دارت حولها نقاشات عن الجزائر وأفغانستان والتاريخ والدراسة وتفاصيل الحياة اليومية.

ويرى ميمون أن الصورة التي تصل إلى كثير من العرب عن أفغانستان تتركز في الحرب والانفجارات والسلاح والصراع، لكنها لا تكفي وحدها للكشف عن المجتمع وحياته اليومية. وخلال تنقله، شاهد طلاباً وأكاديميين وتجاراً وعائلات وأطفالاً، إلى جانب الأسواق والمساجد والحدائق والمواقع التاريخية والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي لمسها بنفسه.

ولا ينكر الرحالة وجود الفقر أو ضعف بعض الخدمات أو القيود الاجتماعية. لكنه يقول إن تكوين فهم أقرب لأفغانستان يقتضي الاقتراب من المجتمع والاستماع إلى أهله، بدلاً من الاكتفاء بصورة تصل من الخارج.

وبالنسبة إلى شخص زار 119 دولة، كان حضور التاريخ في الحياة اليومية من أبرز ما ميّز هذه التجربة، بعدما وجد أسماء المدن والمعالم والرموز التي قرأ عنها مرتبطة بأماكن وأشخاص وذاكرة حية. ولم تكن الرحلة، في نظر ميمون، مجرد انتقال بين مدن أفغانية، بل أتاحت له اكتشاف نقاط اتصال ثقافية وإنسانية بين الجزائر وأفغانستان.

فقد التقى طلاباً يدرسون اللغة العربية، وتحدث مع أكاديميين وطلاب عن التاريخ والدين والثقافة، وهي تفاصيل جعلته يرى أن المسافة الجغرافية بين البلدين لا تعني غياب الروابط الثقافية. ويختصر ميمون انطباعه عن أفغانستان في ثلاث كلمات هي «الجمال، والحياة، واليقين».

فالجمال لديه لا يقتصر على الطبيعة أو المباني التاريخية، وإنما يشمل التفاصيل التي عرفها عبر الاحتكاك بالناس. ويرى الحياة في مجتمع يواصل يومه رغم آثار عقود من الاضطراب، بينما يربط اليقين بما وجده من هوية وذاكرة وتقاليد راسخة.

ومن كابل إلى غزني، ثم مزار الشريف وبلخ، بدت الرحلة له انتقالاً بين طبقات متعددة من البلاد: عاصمة معاصرة تمضي في تفاصيل يومها، ومدن تحمل آثار حضارات متعاقبة، ومجتمع يحافظ على عاداته وعلاقاته وذاكرته. ويقول إنه غادر أفغانستان شاعراً بأنه لم يكتشف بلداً فحسب، بل تعرّف قبل كل شيء إلى أناس وقصص وذاكرة إنسانية.

ودفعت التجربة ميمون إلى التفكير في العودة لمواصلة التعرف إلى المجتمع والأشخاص الذين التقاهم، إلى جانب زيارة مواقع لم يصل إليها في جولته الأولى. ويعتزم في رحلات مقبلة التوجه إلى هرات وقندهار وجلال آباد، لاستكمال المسار الذي بدأه في سبتمبر/أيلول 2026.