العودة للرئيسية
سياحة وسفر

كاستيلوريزو اليونانية تختزن تاريخاً متعاقباً في مساحة لا تتجاوز 10 كيلومترات

تقع كاستيلوريزو في أقصى شرق اليونان والاتحاد الأوروبي، على بعد نحو كيلومترين من الساحل التركي. ورغم مساحتها التي تتراوح بين 9 و10 كيلومترات مربعة، تجمع الجزيرة آثاراً تمتد من عصور الاستيطان الأولى إلى الحكم البيزنطي والعثماني والإيطالي، إلى جانب معالم طبيعية ومعمارية بارزة.

••6 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
منظر بانورامي لبلدة كاستيلوريزو الساحلية، بمبانيها الملونة ومينائها المحاط بالجبال. تظهر سفينة راسية في الخليج وكنيسة في foreground.

تقع جزيرة كاستيلوريزو في أقصى شرق اليونان والاتحاد الأوروبي، ضمن أرخبيل الدوديكانيز في شرق البحر الأبيض المتوسط، ولا يفصلها عن بلدة كاش في محافظة أنطاليا على الساحل الجنوبي لتركيا سوى نحو كيلومترين. وعلى الرغم من أن مساحتها لا تتجاوز 9 إلى 10 كيلومترات مربعة، تحمل الجزيرة سجلاً تاريخياً تعاقبت عليه حضارات وقوى متعددة، وتضم آثاراً ومعالم طبيعية ومعمارية تعكس موقعها البحري وتنوع تراثها.

تُعرف الجزيرة رسمياً في اليونانية باسم ميغستي، وهي كلمة تعني «الأكبر»، في إشارة إلى كونها أكبر جزيرة في الأرخبيل الصغير المحيط بها، لا إلى مساحتها المطلقة. أما في تركيا فتُعرف باسم ميس، وتُستخدم لها أيضاً تسمية كيزيل هيسار المرتبطة بمعنى «القلعة الحمراء».

ويعود اسم كاستيلوريزو المتداول إلى «كاستيلو روسو»، أي «القلعة الحمراء»، وهي القلعة التي أقامها فرسان القديس يوحنا في القرن الرابع عشر فوق الصخور الحمراء المشرفة على الميناء. ومع مرور الوقت، تحولت التسمية محلياً إلى كاستيلوريزو، بينما ظل اسم ميغستي القديم مستخدماً بوصفه الاسم اليوناني الرسمي للجزيرة.

تمتد الجزيرة لنحو 6 كيلومترات طولاً، ويبلغ عرضها قرابة 3 كيلومترات، في حين يصل طول شريطها الساحلي إلى نحو 19.5 كيلومتراً. ويجعلها حجمها من أصغر الجزر المأهولة، لكن موقعها المقابل للأناضول وقربها الشديد من الساحل التركي منحا ميناءها أهمية تجارية وعسكرية خلال مراحل مختلفة من تاريخ المنطقة.

أقدم الاستيطان والتحولات الهيلينستية والبيزنطية

تعود أقدم الدلائل على الاستيطان البشري في كاستيلوريزو إلى العصرين الحجري الحديث والبرونزي، ولا سيما الفترة الممتدة بين عامي 1600 و1100 قبل الميلاد. واستقر الدوريون في الجزيرة لاحقاً، وأطلقوا عليها اسم ميغستي، الذي بقي مرتبطاً بها حتى العصر الحديث.

وفي العصر الهيلينستي، دخلت الجزيرة تحت سلطة دولة رودوس البحرية، التي كانت توفد إليها مفتشاً عسكرياً لمتابعة شؤونها. وما زالت آثار من تلك الحقبة قائمة فيها، ومن أهمها المقبرة الليكية المنحوتة في الصخر، فضلاً عن أسوار أكروبوليس بالايوكاسترو.

خضعت كاستيلوريزو بعد ذلك للحكم الروماني، ثم أصبحت جزءاً من الإمبراطورية البيزنطية ضمن ولاية الجزر. واكتسب ميناؤها خلال المرحلة البيزنطية مكانة عسكرية، إذ استُخدم قاعدة ومقراً للبحرية البيزنطية. كما انتشرت المسيحية المبكرة في الجزيرة، وهو ما تدل عليه بقايا الكنائس البازيليكية ولوحات الموزاييك المكتشفة فيها.

وفي عام 1306، سيطر فرسان القديس يوحنا على الجزيرة، وبنوا قلعة حصينة فوق الصخور الحمراء المطلة على الميناء، وأطلقوا عليها اسم القلعة الحمراء. وشهد القرن الخامس عشر جولات متعاقبة من الصراع؛ فقد هاجم مماليك مصر الجزيرة عام 1440 وألحقوا بها دماراً، قبل أن يسيطر عليها ألفونسو الخامس، ملك نابولي وأراغون، عام 1450 ويعيد ترميم القلعة.

دخلت الجزيرة تحت الحكم العثماني عام 1512 في عهد السلطان سليمان القانوني، مع وقوعها لفترة قصيرة تحت سيطرة البنادقة عام 1659. وخلال القرن التاسع عشر، حصل سكانها على امتيازات للحكم الذاتي وتخفيضات ضريبية في عامي 1835 و1836، مقابل دفع فدية سنوية، وتزامنت هذه الترتيبات مع مرحلة واسعة من الازدهار الاقتصادي.

بلغ نشاط كاستيلوريزو الاقتصادي ذروته في القرن التاسع عشر، مستفيداً من أسطول تجاري كبير ومن صيد الإسفنج، إلى جانب تجارة الفحم والسلع بين الأناضول ومصر وموانئ البحر المتوسط. وارتفع عدد سكان الجزيرة خلال تلك المرحلة إلى ما بين 10 آلاف و15 ألف نسمة، ورافق ذلك توسع عمراني ترك آثاره في المنازل النيوكلاسيكية والمنشآت العامة.

ومن المباني التي ارتبطت بذلك الإرث العمراني الجامع العثماني الذي شُيد عام 1753، ومدرسة سانتريبيا النيوكلاسيكية التي بُنيت عام 1903. كما اكتسب الميناء طابعه المميز من المنازل الملونة المتعددة الطوابق والشرفات الخشبية التي أحاطت به، وبقيت شاهدة على الثروة التي راكمتها الجزيرة من التجارة والنشاط البحري.

الاحتلالات والحروب تعيد رسم مصير الجزيرة

مع مطلع القرن العشرين، دخلت كاستيلوريزو مرحلة من الاضطرابات والتراجع الاقتصادي. ففي عام 1910، أسهم فرض التجنيد الإجباري والقيود على النشاط التجاري خلال عهد حركة تركيا الفتاة في إضعاف اقتصادها، ودفع ذلك عدداً من السكان إلى الهجرة. وفي مارس/آذار 1913، اندلع تمرد محلي أطاح بالفصيل العثماني الموجود في الجزيرة، وأعلن السكان حكومة مؤقتة طالبت بالانضمام إلى اليونان.

لكن مسار الجزيرة السياسي خلال السنوات التالية ظل مرتبطاً بالحرب العالمية الأولى والتنافس على جزر شرق البحر المتوسط. احتلت فرنسا كاستيلوريزو عام 1915 أثناء الحرب العالمية الأولى، واستخدمتها قاعدة بحرية، كما تعرضت الجزيرة خلال تلك المرحلة للقصف المدفعي.

وفي مارس/آذار 1921، سلمتها فرنسا إلى إيطاليا، لتصبح رسمياً جزءاً من جزر الدوديكانيز الإيطالية. وبعد خمس سنوات، ضرب الجزيرة زلزال عام 1926 وألحق أضراراً بمبانيها وعمرانها. وتفاقمت الخسائر خلال الحرب العالمية الثانية، حين تعرضت كاستيلوريزو للقصف والمعارك.

وشملت الأحداث غارات جوية ألمانية وانفجارات أصابت مخازن ذخيرة بريطانية، ما أدى إلى تدمير معظم منازل الجزيرة. وأعقب ذلك تهجير معظم سكانها قسراً، لتتواصل موجات النزوح والهجرة التي كانت قد بدأت مع التراجع الاقتصادي في العقود السابقة. انتقلت الجزيرة بعد الحرب العالمية الثانية إلى السيادة اليونانية بموجب معاهدة باريس للسلام، الموقعة في 10 فبراير/شباط 1947.

وتنازلت إيطاليا بموجب المعاهدة عن جزر الدوديكانيز لليونان، ثم أُقيمت في كاستيلوريزو مراسم الانضمام الرسمي إلى الدولة اليونانية في 7 مارس/آذار 1948. استمرت هجرة السكان تحت تأثير الدمار الذي خلفته الحرب، قبل أن تستعيد الجزيرة في العقود اللاحقة جزءاً من نشاطها.

السياحة تعيد كاستيلوريزو إلى الواجهة الدولية

وساهم نمو الاهتمام السياحي والثقافي بها في إعادة حضورها دولياً، خصوصاً بعد تصوير الفيلم الإيطالي «ميديتيرانيو» فيها عام 1991، وهو فيلم فاز بجائزة الأوسكار. كما أصبحت الجزيرة مقراً لمهرجان «بيوند بوردرز» الدولي للأفلام الوثائقية. ويبرز الكهف الأزرق بين أشهر معالم كاستيلوريزو الطبيعية.

وهو كهف بحري كبير تدخل إليه أشعة الشمس من مدخل منخفض، ثم تنعكس على المياه والجدران لتمنحه لوناً أزرق مميزاً. ويتطلب الوصول إليه استخدام قوارب صغيرة، ولا تكون زيارته ممكنة إلا عندما تكون مياه البحر هادئة.

معالم تجمع القلعة والميناء والكهوف

  1. 1

    قلعة كاستيلو روسو

    أما قلعة كاستيلو روسو، التي شيدها فرسان القديس يوحنا في القرن الرابع عشر، فتقف فوق صخرة حمراء مطلة على الميناء، ومنها اشتُق اسم كاستيلوريزو. وتضم الجزيرة أيضاً المقبرة الليكية المنحوتة في الصخر، التي يرجع تاريخها إلى القرن الرابع قبل الميلاد، وتُعد المقبرة الليكية الوحيدة الواقعة داخل الأراضي اليونانية.

  2. 2

    الميناء التاريخي

    يمثل الميناء التاريخي قلب الجزيرة العمراني، وتنتظم حوله منازل نيوكلاسيكية ملونة ذات طوابق متعددة وشرفات خشبية، تعود ملامحها إلى فترة الازدهار في القرن التاسع عشر. ويطل على الميناء المسجد العثماني الذي بُني في القرن الثامن عشر، ثم جرى ترميمه وتحويله إلى متحف للآثار والفلكلور.

  3. 3

    موقع بالايوكاسترو

    وفي القسم المرتفع من كاستيلوريزو يقع موقع بالايوكاسترو الأثري، حيث توجد بقايا الأكروبوليس القديم وأسوار ضخمة وصهاريج وكنائس بيزنطية. ويقع دير القديس جيورجيوس في الجبل، ويمكن بلوغه عبر درج حجري طويل، ويضم الموقع كنيسة وسرداباً تحت الأرض.

  4. 4

    المعالم الدينية والثقافية

    وتكتمل معالم الجزيرة بكاتدرائية القديسين كونستانتين وهيلين، ومدرسة سانتريبيا ذات التصميم النيوكلاسيكي العصري، إلى جانب متحف الألغاز الذي يحتوي على آلاف الألغاز الفكرية والرياضية.

وتجتمع هذه المواقع مع القلعة والمقبرة الليكية والكهف الأزرق والميناء التاريخي لتعرض طبقات متتابعة من التاريخ الطبيعي والبحري والديني والمعماري لكاستيلوريزو.