تختبر رحلات سياحية موسمية على متن باخرة «سيدار ويفز» إمكانية إعادة ربط المدن اللبنانية عبر البحر، من خلال مسار ينطلق من صيدا ويمر بالزيتونة باي في بيروت ثم البترون وجونية، قبل العودة مساء إلى نقطة البداية.
ويجمع المشروع بين التنقل والترفيه في يوم واحد، ضمن رؤية يسعى منظموه إلى توسيعها لتشمل الساحل من طرابلس شمالاً إلى صور والناقورة جنوباً، متى سمحت الظروف بذلك. تبدأ رحلة نهاية الأسبوع من مرفأ صيدا، حيث تبتعد الباخرة تدريجياً عن المباني الممتدة على الشاطئ، ويشاهد الركاب الساحل اللبناني من البحر بدلاً من الطرق البرية المعتادة.
وعلى سطح الباخرة، تتحول اليابسة المألوفة إلى مشهد متبدل مع التقدم شمالاً، فيما يصاحب الركاب هدير المحرك وحركة الموج بدلاً من ازدحام السيارات وإشارات المرور. تضم الرحلة أربع محطات ساحلية في يوم واحد، لكن الوقت الفاصل بينها ليس مجرد مرحلة للوصول إلى الوجهة التالية.
فالإبحار يمثل جزءاً أساسياً من البرنامج، إذ تتغير صورة الشاطئ والواجهات العمرانية والمعالم المحاذية للبحر مع كل مرحلة، ليصبح الطريق البحري نفسه عنصراً من عناصر التجربة السياحية، لا فراغاً يفصل مدينة عن أخرى. في الزيتونة باي، تابعت الراكبة هيفاء الساحل من سطح الباخرة، ولاحظت اختلاف الصورة عن المشهد الذي اعتادت رؤيته من اليابسة.
وقالت واصفة التجربة: «نحن معتادون على رؤية البحر من الجبل، لكن هذه المرة يمكننا أن نرى الجبل من البحر». ومن موقعها وسط المياه، بدت المدينة ومعالمها من زاوية جديدة بينما كانت الباخرة تواصل مسارها نحو الشمال. أما مايا، التي شاركت في الرحلة للمرة الأولى، فرأت أن المسار يتيح زيارة أكثر من وجهة خلال يوم واحد، من دون أن تستحوذ الطرق البرية على الجزء الأكبر من الوقت.
ومع تعاقب المحطات، تظل حركة الباخرة جزءاً من النشاط، بدلاً من التعامل مع المسافة بين المدن على أنها وقت ضائع قبل الوصول. وترى يارا عودة أن الرحلة تجمع مدناً ساحلية مختلفة ضمن خط واحد تتداخل فيه الطبيعة والواجهات البحرية والمعالم التراثية مع متعة الإبحار.
وبهذا التصور، تصبح صيدا وبيروت والبترون وجونية محطات متصلة بحراً، فيما يتحول الساحل إلى مساحة تجمع المدن بدلاً من أن يكون مجرد مشهد يرافقها من جهة الغرب. يقف وراء هذه الرحلات مشروع بدأ قبل أشهر باسم «سيدار ويفز»، ويهدف إلى تقديم البحر باعتباره مكوناً من مكونات السياحة الداخلية اللبنانية، لا مجرد خلفية للشواطئ والمنتجعات.
مشروع سيدار ويفز يوسع الرحلات الساحلية
وتنظر هنا أبو مرعي، إحدى منظمات المشروع، إلى الرحلات المنفذة خلال الموسم بوصفها مراحل مترابطة، إذ أتاح نجاح كل تجربة الانتقال إلى مسار جديد واختبار وجهات إضافية. وقالت أبو مرعي إن الفكرة انطلقت أولاً عبر رحلات خارجية إلى وجهات قريبة، بينها تركيا وسوريا، ثم انتقلت إلى الساحل اللبناني.
وشملت المسارات المحلية رحلات ربطت بيروت بالبترون وجونية وجبيل، قبل الوصول إلى تشغيل خط بين جونية وصيدا، في إطار توسيع نطاق التجربة على امتداد المدن الساحلية. وشكلت رحلة جونية–صيدا في سبتمبر/أيلول محطة رئيسية في مسار المشروع، بعدما وصلت الباخرة إلى مرفأ صيدا وعلى متنها نحو 280 شخصاً.
ووصف المنظمون الرحلة بأنها الأولى من نوعها بين المدينتين منذ نحو ثلاثة عقود، في ظل توقف الرحلات البحرية السياحية المنتظمة بين عدد من المدن اللبنانية لعقود. ومع تراكم هذه التجارب، بدأ القائمون على المشروع صوغ رؤية لإنشاء خط سياحي بحري يمتد على طول الساحل اللبناني. ويشمل التصور طرابلس في الشمال وصور والناقورة في الجنوب، على أن يجري التوسع عندما تسمح الظروف.
وقالت أبو مرعي إن الرحلات الداخلية سجلت إقبالاً كبيراً، وأظهرت إمكانية إدخال الساحل في حركة سياحية منتظمة بدلاً من الاكتفاء بمشاهدته من البر. ولا يقتصر هدف المنظمين على تسيير رحلات متفرقة خلال الموسم، بل يتجه إلى جعل الإبحار نشاطاً مألوفاً ومتاحاً لفئات أوسع.
نريد أن نعتاد على فكرة أن الرحلات البحرية ليست أمراً استثنائياً أو نادراً، بل أن تصبح نشاطاً يومياً ومتاحاً للجميع، وهذا هو هدفنا الأساسي
ويهدف ذلك، وفق القائمين عليه، إلى ألا تظل الرحلة البحرية مرتبطة بمناسبة استثنائية أو محصورة بمن يمتلكون قدرة مالية محددة، بل أن تتحول تدريجياً إلى خيار سياحي أكثر اعتياداً. ولخصت أبو مرعي الفكرة في إعادة وصل المناطق اللبنانية بحراً بطريقة تجمع الراحة والترفيه واكتشاف المدن، قائلة: «يجب أن تكون مناطق لبنان مرتبطة ببعضها بعضاً بطريقة مريحة، وعن طريق البحر، لأنه لا يوجد أجمل من البحر».
ويعني ذلك أن وظيفة المسار المقترح لا تتوقف عند نقل الركاب بين نقطتين، بل تشمل التجربة التي يعيشونها أثناء العبور. من جهته، قال مرعي أبو مرعي، صاحب الباخرة، إن المشروع يسعى إلى تعريف اللبنانيين ببلدهم من جهة البحر وإعادة الساحل إلى خريطة السياحة الداخلية.
وأضاف أن حجم التفاعل والإقبال على الرحلات المحلية فاجأ القائمين على المشروع، وشجعهم على التفكير في توسيع التجربة خلال المراحل المقبلة. ويأمل صاحب الباخرة أن تصل الرحلات في الموسم المقبل إلى الناقورة وصور وطرابلس، لتغطي الساحل من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، إذا أتاحت الظروف ذلك.
التوسع من رحلات موسمية إلى شبكة ساحلية
ويمثل هذا التوسع المقترح انتقالاً من خطوط تربط عدداً محدوداً من المدن إلى شبكة سياحية أوسع، مع بقاء الرحلات في مرحلتها الحالية ذات طابع موسمي. ويطرح نجاح التجربة السياحية احتمالاً آخر يتعلق باستخدام البحر ضمن شبكة النقل بين المدن الساحلية.
ويرى الضابط الأول على متن الباخرة، رفيق حسون، أن الفكرة قابلة للتوسع في هذا الاتجاه، وأن ربط المدن بحراً قد يساهم في تخفيف الضغط عن الطرق وتقليص زمن التنقل، ولا سيما خلال فترات الذروة التي تشهد فيها الطرق الرئيسية ازدحاماً.
ومع ذلك، لا يفصل النموذج الحالي بين السياحة والنقل. فالبرنامج يجمع الإبحار بالموسيقى والأنشطة الترفيهية، حتى لا يكون الوقت الذي يقضيه الراكب في البحر مجرد مرحلة للوصول. ووفق هذا النموذج، يتسع مفهوم الخط البحري ليشمل الاستمتاع بالطريق بالتوازي مع الانتقال إلى المحطة التالية.
شروط تحويل الرحلات إلى نقل منتظم
ويتطلب تحويل الرحلات الموسمية إلى شبكة بحرية منتظمة عوامل تتجاوز حجم الإقبال، من بينها الالتزام بمواعيد ثابتة، وكلفة التشغيل والرحلات، ومدى جاهزية المرافئ، ومتطلبات السلامة والتراخيص. كما ترتبط استدامة أي خدمة من هذا النوع بإمكان تشغيل الخطوط خارج الموسم السياحي، وهي عناصر ستحدد قابلية انتقال المشروع من نشاط ترفيهي إلى وسيلة نقل مستقرة.
ويرى القبطان سعد أيوب أن للرحلات وظيفة اجتماعية أيضاً، لأنها تجمع لبنانيين من مناطق مختلفة في مساحة واحدة، وتتيح لهم التنقل والتعارف بعيداً عن التقسيمات الجغرافية التي كرستها الطرق والوجهات المعتادة.
ومن هذه الزاوية، تصبح الرحلة فرصة لإعادة التواصل بين المناطق عبر مسار ظل خارج الاستخدام اليومي للتنقل فترة طويلة. وظل الساحل حاضراً في الحياة اللبنانية خلال العقود الماضية بوصفه وجهة للسباحة والمطاعم والأنشطة البحرية، أكثر من كونه طريقاً يصل المدن.
البحر يعيد وصل المدن اللبنانية اجتماعياً
ويحاول مشروع «سيدار ويفز» اختبار إمكان تغيير هذه المعادلة انطلاقاً من السياحة أولاً، في وقت تبقى فيه الطرق البرية المسار شبه الوحيد للحركة المنتظمة بين معظم المدن الساحلية. ومع اقتراب المساء، تعود الباخرة إلى صيدا بعد مرورها ببيروت والبترون وجونية، وقد تحولت المدن الأربع إلى محطات متتابعة ضمن رحلة واحدة.
ولا يزال المشروع في بدايته، لكن خطته للموسم المقبل تضع صور والناقورة وطرابلس ضمن الوجهات المحتملة، في خطوة مرتبطة بما تسمح به الظروف ومتطلبات توسيع التشغيل على طول الساحل اللبناني.