صوّت البرلمان الليتواني للمرة الأولى على تعديل يرفع الحظر الدستوري المفروض على نشر أسلحة نووية في البلاد، في خطوة تندرج ضمن توسيع الردع الغربي في مواجهة روسيا، وتزيد حساسية الوضع الأمني قرب جيب كالينينغراد الروسي ومنطقة بحر البلطيق. ويتطلب إقرار التعديل إجراء تصويت ثانٍ في البرلمان.
تعزيز الوجود العسكري الألماني والأمريكي
يتزامن التحرك الليتواني مع مضي ألمانيا في نشر لواء دائم داخل ليتوانيا، من المقرر أن يضم 5 آلاف عسكري ومدني. كما تسعى الحكومة الليتوانية إلى تحويل الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها من وجود دوري إلى دائم، وعرضت تحمل تكاليف إنشاء قاعدة أمريكية في البلاد، بينما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إنه سيدرس الطلب.
واعتبرت موسكو هذه الخطوات تصعيداً جديداً في المواجهة بينها وبين حلف شمال الأطلسي. وحذر الكرملين من أن اقتراب البنية العسكرية الأمريكية، إلى جانب احتمال نشر أسلحة نووية بالقرب من الحدود الروسية، سيؤديان إلى زيادة التوتر وتقويض الاستقرار في أوروبا.
وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن بلاده تتابع تحركات الناتو عن كثب، وتعمل على منع ما تعدّه تهديدات لأمنها صادرة عن جيرانها الغربيين. وترتبط حساسية التطورات بموقع ليتوانيا المحاذي لكالينينغراد، وهي مقاطعة روسية غير متصلة براً ببقية الأراضي الروسية، وتعد من أبرز مناطق الانتشار العسكري الروسي في بحر البلطيق.
حساسية كالينينغراد في الحسابات الروسية
وقال الكاتب والمحلل السياسي أندريه أونتيكوف إن التحركات تحمل خطراً كبيراً بسبب وقوعها في ليتوانيا المتاخمة لكالينينغراد. وأضاف أن الناتو سبق أن أجرى مناورات وحشد قوات بالقرب من المقاطعة، بالتوازي مع صدور تصريحات منفصلة تحدثت عن ضرورة السيطرة عليها.
ورأى أونتيكوف أن ليتوانيا تدرك أنها ستكون أول المتضررين في حال وقوع هجوم محتمل على كالينينغراد، لأن روسيا، بحسب تقديره، لن تترك خطوة كهذه تمر من دون رد. واعتبر أن الضغوط المتزايدة على المقاطعة تعمق ما وصفه بالقلق الوجودي الروسي من الحلف. وأشار إلى أن الناتو كان يتحدث، حتى قبل اندلاع الحرب الأوكرانية، عن إنشاء ممر على امتداد الحدود بين ليتوانيا وبولندا، في المنطقة الواقعة بين كالينينغراد وبيلاروسيا.
كما اتهم الحلف بالنظر إلى المقاطعة بوصفها نقطة ضعف يمكن السيطرة عليها بهدف إغلاق بحر البلطيق أمام روسيا، معتبراً أن هذا الهدف قديم وليس مستجداً. وأكد أونتيكوف أن كالينينغراد ستشهد تعزيزاً للتسليح، بما يشمل أسلحة نووية، لمنع مهاجمتها أو محاصرتها، والرد بقوة على أي محاولة لقطع طريق البلطيق أمام موسكو.
وفي رده على الاتهامات الغربية، قال إن روسيا تتصرف باعتدال شديد ولا تنفذ هجمات سيبرانية أو هجمات بالمسيّرات ضد دول الناتو. واتهم أونتيكوف كييف بمحاولة جر أوروبا إلى الحرب من خلال استهداف بعض دولها بطائرات مسيّرة وإلقاء المسؤولية على موسكو. ويأتي ذلك في مقابل اتهامات غربية لروسيا بتنفيذ أنشطة هجينة واستفزازية داخل دول أوروبية.
سجال روسي غربي حول أسباب التصعيد
من جهته، قال الدبلوماسي الأمريكي السابق دونالد جنسن إن الإجراءات العسكرية لا تقتصر على ليتوانيا، بل تمتد على طول الجناح الشرقي للناتو. وعزا ذلك إلى ما وصفه بالهجمات الروسية الهجينة التي دفعت دول الجوار إلى اتخاذ ترتيبات أمنية استباقية، مستشهداً بالسويد وأوكرانيا، ومتوقعاً أن تتخذ مولدوفا خطوات مماثلة مستقبلاً.
وأضاف جنسن أن التصريحات الروسية بشأن استخدام الأسلحة النووية تثير مخاوف هذه الدول، وأن الأنشطة التي وصفها بالاستفزازية تتسارع داخل عدد من البلدان الأوروبية. واعتبر أن موسكو تبحث عن وسائل أخرى لتعويض عدم قدرتها على تحقيق تقدم في أوكرانيا.
مخاطر الردع ومواجهة بحر البلطيق
وقال مدير المعهد السياسي والعسكري في برلين رالف تايله إن أوروبا حاولت مراراً، خلال العقود الستة أو السبعة الماضية، تقييد وصول روسيا إلى بحر البلطيق، ورأى أنها نجحت في ذلك من خلال انضمام ليتوانيا والسويد إلى حلف الناتو.
وبرر تايله التحركات الأوروبية بأنها رد على التهديدات الروسية لدول الجوار، داعياً تلك الدول إلى الإسراع في التعامل مع ما وصفه بالوضع الخطير. لكنه استبعد أن يقدم الناتو على استهداف كالينينغراد، محذراً موسكو من العواقب المحتملة لأي تصعيد، ومشدداً على أن تطور الوضع إلى مواجهة سيكون شديد الخطورة ولن يخدم مصلحة أي طرف.
بدوره، أقر جنسن بالأهمية الكبيرة التي تمثلها كالينينغراد بالنسبة إلى روسيا، وباحتمال لجوء موسكو إلى السلاح النووي لحمايتها. لكنه قال إن روسيا كثيراً ما تستخدم التهديد في محاولة لإخضاع جيرانها من دون تنفيذ ما تلوح به، معرباً عن اعتقاده بأن هذه السياسة لن تحقق أهدافها.
وعزا جنسن ما وصفه بالهجمات الروسية على أوروبا إلى محاولة اختبار الموقف الأمريكي من أي هجوم محتمل على الجناح الشرقي للناتو، فضلاً عن قياس رد فعل الدول الأوروبية. وقال إن هذه التطورات دفعت الولايات المتحدة وأوروبا إلى مناقشة هيكلية جديدة للحلف، في ظل استمرار الخلاف بشأن حدود الردع ومخاطر انتقال التوتر إلى مواجهة مباشرة.