العودة للرئيسية
أخبار

تهديدات العنف تدفع مسؤولين أمريكيين إلى الاعتزال وتشدد الحماية

وثّق تحقيق صحفي آلاف التهديدات العنيفة التي استهدفت مسؤولين منتخبين وعائلاتهم في الولايات المتحدة بين عام 2024 وأغسطس 2026، بالتزامن مع ارتفاع الإنفاق الانتخابي المرتبط بالأمن إلى أكثر من 25 مليون دولار. وأجبرت المخاطر بعض المسؤولين على مغادرة منازلهم أو التفكير في ترك العمل السياسي.

••7 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
جندي يرتدي زياً عسكرياً يقف أمام مبنى الكابيتول الأميركي وسط حواجز أمنية وأسوار مؤقتة في شارع مغلق أمام حركة المرور.

تصاعدت التهديدات العنيفة ضد المسؤولين المنتخبين في الولايات المتحدة خلال العامين الماضيين، لتطول حكام ولايات وأعضاء في الكونغرس ومسؤولي انتخابات محليين وأفراد أسرهم، وتفرض على عدد منهم تغيير تفاصيل حياتهم اليومية أو التفكير في مغادرة العمل السياسي، وفق تحقيق أعده الصحفي نيك كوراسانيتي ونشرته صحيفة نيويورك تايمز.

التحقيق يوثق آلاف التهديدات ضد المسؤولين

واستند التحقيق إلى مئات السجلات والوثائق القضائية وتقارير أجهزة إنفاذ القانون، ووثّق آلاف التهديدات خلال الفترة الممتدة من عام 2024 حتى أغسطس/آب 2026.

وتفاوت مضمونها بين رسائل مبهمة وأخرى اشتملت على تفاصيل تتعلق بالقتل والتعذيب والاعتداء الجنسي، فيما لم يقتصر الاستهداف على المسؤولين أنفسهم، بل امتد إلى أزواجهم وأبنائهم وآبائهم وأشقائهم.

وتزامنت هذه الموجة مع وقائع عنف سياسي تجاوزت الرسائل والمكالمات، من بينها محاولات اغتيال الرئيس دونالد ترمب، واغتيال الناشط المحافظ تشارلي كيرك، ومقتل الزعيمة التشريعية في ولاية مينيسوتا ميليسا هورتمن وزوجها، فضلا عن إحراق منزل حاكم بنسلفانيا جوش شابيرو باستخدام قنابل حارقة.

إجراءات حماية تغيّر حياة المسؤولين وعائلاتهم

ورأى مسؤولون تحدثوا إلى الصحيفة أن هذه الوقائع تظهر خطورة تصاعد الخطاب السياسي العنيف وقدرته على زعزعة المؤسسات الديمقراطية. وأصبحت إجراءات الحماية جزءا من الحياة اليومية لكثير من المسؤولين. فقد لجأ بعضهم إلى تركيب كاميرات وأسوار حول منازلهم، والاستعانة بحراس مسلحين، وتغيير مواعيد التسوق ومسارات التنقل المعتادة، بينما اضطر آخرون إلى نقل أطفالهم إلى مدارس مختلفة.

كما سعوا إلى حذف بياناتهم الشخصية من الإنترنت خشية استخدامها للوصول إليهم أو إلى أقاربهم. وتقدم تجربة النائبة الجمهورية السابقة عن ولاية جورجيا مارجوري تايلور غرين مثالا على التداعيات الشخصية لهذه التهديدات. فبعد سنوات من الاصطفاف مع ترمب، دخلت في خلاف معه بشأن ملفات جيفري إبستين، ثم الحرب على إيران والسياسات الاقتصادية، إذ رأت أن الرسوم الجمركية وتقليص الدعم الصحي يلحقان الضرر بالناخبين الذين تمثلهم.

وبعد أن وصفها ترمب بالخيانة، قالت غرين إنها تلقت وابلا من التهديدات، وكان أكثرها تأثيرا عليها ذلك الذي استهدف ابنها. وأرسلت نسخا من الرسائل إلى الرئيس أملا في أن يدرك خطورتها، لكنه أجابها، بحسب روايتها: «هذا خطؤك، أنت تستحقين ذلك».

وبعد أسابيع أعلنت عزمها على مغادرة الكونغرس، مؤكدة أنها لا تريد تعريض حياة أطفالها للخطر مقابل الاستمرار في العمل السياسي. وأظهر التحقيق أن النساء غالبا ما يتعرضن لاستهداف أشد، الأمر الذي يزيد صعوبة استقطابهن للعمل العام.

التهديدات تدفع مسؤولين إلى التفكير بالانسحاب

وقالت غريتا نيوباور، زعيمة الأقلية الديمقراطية في مجلس ولاية ويسكونسن، إنها تحرص عند الحديث مع المرشحات المحتملات على تنبيههن إلى أن دخول المجال السياسي قد يفرض عليهن وعلى عائلاتهن قبول مخاطر لا يمكن تجاهلها. وكادت التهديدات تدفع حاكم مينيسوتا الديمقراطي تيم والز إلى الانسحاب من الحياة السياسية.

وكان والز قد تعرض لتهديدات بعد اختياره مرشحا لمنصب نائب الرئيس إلى جانب كامالا هاريس في انتخابات عام 2024، إلا أن اغتيال صديقته ميليسا هورتمن، الزعيمة السابقة للمجلس التشريعي في الولاية، وزوجها في يونيو/حزيران 2025، دفعه إلى إعادة التفكير في مدى قدرته على مواصلة العمل العام.

وأثارت عملية الاغتيال لدى والز مخاوف خاصة بشأن سلامة المشرعين المحليين الذين يعودون إلى حياتهم العادية بعد انتهاء دورات المجلس. ويواجه هؤلاء مخاطر مرتبطة بمناصبهم، من دون أن تتوافر لهم بالضرورة مستويات الحماية نفسها التي يحصل عليها كبار المسؤولين الفدراليين.

وتوضح تجربة السيناتورة الديمقراطية عن ولاية ميشيغان إليسا سلوتكين كيفية امتداد التهديدات إلى أشخاص لا علاقة مباشرة لهم بالسياسة. وشاركت سلوتكين في تسجيل مصور مع خمسة مشرعين آخرين، دعوا خلاله الجنود الأمريكيين إلى عدم تنفيذ الأوامر غير القانونية.

ووصف ترمب سلوك المشرعين بأنه خيانة تستوجب الموت، قبل أن تبدأ التهديدات بالتدفق، ولا سيما ضد سلوتكين. ورغم توفير حراسة لها على مدار الساعة، تعرض منزل والديها لبلاغ كاذب استدعى حضور الشرطة ليلا، في وقت كان فيه والدها، البالغ من العمر 81 عاما، يصارع مرض السرطان.

وقالت سلوتكين إن أفراد أسرتها وموظفيها لم يختاروا التعرض لهذه المخاطر، وإن قبولها بها عند تولي المنصب لا يمنحها القدرة على مطالبة أقاربها بتحمل تبعات قرارها. ولا تقتصر الظاهرة على شخصيات تنتمي إلى حزب بعينه أو تتبنى خطابا سياسيا محددا، إذ طالت التهديدات مسؤولين جمهوريين وديمقراطيين، سواء عُرفوا بخطاب استفزازي أو استُهدفوا بسبب مواقفهم وسياساتهم.

مسؤولون محليون يغادرون منازلهم طلبًا للأمانjaيؤثّر التهديد على المرشحات والعمل العام?

وأصبحت المخاطر، وفق خلاصة التحقيق، عبئا يوميا بدلا من كونها حالات استثنائية تواجه عددا محدودا من الشخصيات. وعلى مستوى الولايات، اضطرت شينا بيلوز، المسؤولة الديمقراطية عن الانتخابات في ولاية مين، إلى مغادرة منزلها برفقة زوجها، بعدما حذرتهما السلطات من أن البقاء فيه لم يعد آمنا.

وفي ولاية تكساس، طلبت النائبة الديمقراطية جينا هينوجوسا من أفراد أسرتها الانتقال إلى منزل أقارب بسبب التهديدات، ثم أضافت حواجز وأسوارا لحماية منزلها. أما كارلي كوبس، المسؤولة الجمهورية عن الانتخابات في إحدى مقاطعات ولاية كولورادو، فتلقت تهديدات استهدفتها وجنينها بعد إعلان حملها.

وفي حالات أخرى، قرر مسؤولون شراء أسلحة والتدرب على استخدامها، بعدما تجاوزت المخاطر تلقي الرسائل إلى نشر صور منازلهم وبيانات شخصية عنهم وعن أفراد عائلاتهم. وترافق تصاعد التهديدات مع ارتفاع كبير في الإنفاق على الحماية الأمنية.

25 مليون دولار
الإنفاق الأمني الانتخابي

وتظهر سجلات تمويل الحملات الانتخابية أن المرشحين للمناصب الفدرالية أنفقوا نحو 6 ملايين دولار على بنود مرتبطة بالأمن خلال دورة انتخابات عامي 2017 و2018. وفي دورة انتخابات التجديد النصفي الحالية، تجاوز المبلغ 25 مليون دولار حتى الأول من أغسطس/آب 2026، قبل وصول الحملات إلى مرحلتها الأخيرة.

ولا تشمل هذه الأرقام الأموال التي يدفعها المسؤولون من مواردهم الخاصة. ويواجه المسؤولون المحليون وأعضاء المجالس المدرسية والقائمون على إدارة الانتخابات تحديات أكبر في هذا الجانب، لأنهم لا يحصلون دائما على الموارد الحكومية الضرورية لتوفير الحماية، ما يدفع بعضهم إلى تحمل نفقاتها بأنفسهم.

وفي الكونغرس، توسعت ترتيبات الحماية منذ هجوم السادس من يناير/كانون الثاني 2021 على مبنى الكابيتول. وضاعفت شرطة الكابيتول عدد المحققين لديها أكثر من مرة، وعززت حماية مكاتب المشرعين، كما راجعت الترتيبات الأمنية في مكاتبهم داخل واشنطن وخارجها. وأنفق المسؤول عن الأمن في مجلس النواب أكثر من 28 مليون دولار خلال عام 2025، شملت مبالغ خُصصت لتركيب أنظمة إنذار وأجهزة للكشف عن إطلاق النار.

ومع ذلك، لا تضمن زيادة الإنفاق منع التهديدات أو الوصول إلى أصحابها وملاحقتهم قضائيا. وكشفت مراجعة بيانات المحاكم الفدرالية عن 53 قضية فقط وُجهت فيها اتهامات إلى أشخاص بتهديد مسؤولين عموميين خلال العامين الماضيين، مع استثناء القضايا المتعلقة بتهديد الرئيس.

وتواجه التحقيقات صعوبات تشمل تحديد هوية مستخدمي الحسابات المجهولة، والتعامل مع العدد الكبير من الرسائل، والتمييز بين التهديد الصريح والتعبير الذي قد تندرج حمايته ضمن قوانين حرية التعبير. وقال مسؤولون سابقون في أجهزة الأمن إن نسبة الحالات التي تنتهي بتوجيه اتهامات جنائية تظل محدودة، وهو ما يضعف أثر الردع وقد يشجع بعض مطلقي التهديدات على الاستمرار.

وتبرز هذه المشكلة بصورة أكبر لدى شاغلي المناصب المحلية الذين لا يمتلكون فرق حماية أو موارد أمنية مماثلة لتلك المتاحة للمسؤولين على المستوى الفدرالي. وامتدت آثار الظاهرة إلى طبيعة النشاط السياسي وعلاقة المسؤولين بالجمهور.

فقد تراجعت الفعاليات الخارجية، وأصبحت معاينة المواقع مسبقا وتركيب أجهزة الكشف عن المعادن والاستعانة بمسؤولي الأمن إجراءات معتادة في الحملات الانتخابية. ويشعر بعض المرشحين بأن هذه التدابير، رغم ضرورتها لحمايتهم، تعزلهم عن المواطنين الذين يسعون إلى تمثيلهم.

ويتمثل أحد أبرز المخاطر في احتمال دفع أشخاص راغبين في الخدمة العامة إلى الانسحاب، أو ثني مرشحين محتملين عن خوض الانتخابات، خصوصا النساء والأمهات اللواتي يضعن سلامة أطفالهن ضمن أولوياتهن. وعندما ترتبط المناصب بتهديد أفراد الأسرة أو الاضطرار إلى مغادرة المنزل، تتجاوز التداعيات حياة المسؤول لتؤثر في المشاركة السياسية واتساع المنافسة الانتخابية.

وفي ظل الاستقطاب السياسي وانتشار التهديدات عبر الإنترنت وصعوبة محاسبة مطلقيها، بات التحدي يتجاوز توفير حراس للمسؤولين إلى ضمان قدرتهم على أداء وظائفهم من دون خوف.

كما تؤدي التهديدات التي تدفع مسؤولين إلى الصمت أو الاستقالة، أو تمنع آخرين من دخول المنافسة، إلى تضييق المجال العام وتقويض شروط المشاركة السياسية الآمنة.