العودة للرئيسية
تكنولوجيا

طفرة الذكاء الاصطناعي تحت الاختبار: تقييمات ضخمة ومخاطر متصاعدة

تضع تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي المرتفعة، والديون الموجهة إلى مراكز البيانات، وسلوكيات مقلقة ظهرت في اختبارات داخلية، طفرة القطاع أمام تساؤلات اقتصادية وتقنية متزايدة، رغم توقعات بدعمها النمو على المديين المتوسط والطويل.

صوتيصوتي
صوتي4 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
طفرة الذكاء الاصطناعي تحت الاختبار: تقييمات ضخمة ومخاطر متصاعدة

تتزايد الشكوك المحيطة بطفرة الذكاء الاصطناعي مع تقاطع ثلاثة مصادر للقلق: تقييمات مرتفعة قد لا تصمد أمام اختبار السوق، واستثمارات ضخمة في مراكز البيانات يُموّل جزء متزايد منها بالديون، وسلوكيات غير متوقعة أظهرتها نماذج متقدمة خلال اختبارات داخلية. وتطرح تحليلات أمريكية احتمال تعرض الصناعة لتصحيح في السوق، حتى إذا أثبتت التكنولوجيا قدرتها على دفع النمو الاقتصادي على المديين المتوسط والطويل.

وتشير هذه التحليلات إلى أن المكاسب المنتظرة قد تقترن بتكاليف تشمل ارتفاع أسعار الفائدة وخدمة الدين، إلى جانب مخاطر سيبرانية وصعوبات في السيطرة على النماذج، ما يضع توقعات المستثمرين وقدرة الحكومات والشركات على إدارة التوسع السريع أمام اختبار متزايد.

تقييمات مرتفعة وتمويل متزايد بالديون

في حلقة من بودكاست «الآراء» (The Opinions) التابع لصحيفة نيويورك تايمز، ناقش كاتب الرأي ديفيد والاس-ويلز مع أستاذة الاقتصاد في جامعة «ييل» ناتاشا سارين مدى واقعية التقييمات الحالية، واحتمال أن تقود المبالغة فيها إلى فقاعة أو اضطرابات في السوق.

وبحسب والاس-ويلز، يستند حماس المستثمرين إلى تصور مفاده أن قدرات الذكاء الاصطناعي تتطور بوتيرة سريعة، وأن الشركات التي تسبق منافسيها قد تحقق أرباحًا غير مسبوقة إذا أحدثت التكنولوجيا تحولًا اقتصاديًا شاملًا. لكن سارين ترى أن تقييمات الشركات تفترض مسبقًا أنها ستخرج فائزة، وأن نماذج أعمالها ستظل قابلة للاستمرار.

وتساءلت سارين عن أثر عدم تحقق هذه الافتراضات، ولا سيما إذا أضعفت حلول المصادر المفتوحة نماذج أعمال شركتي «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» وخفضت قيمتهما. وأشارت إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى، التي اعتمدت لسنوات على ما لديها من سيولة، أصبحت تتحمل ديونًا كبيرة لتمويل البنية التحتية لمراكز البيانات.

ورغم توقعها أن تدعم التكنولوجيا نموًا اقتصاديًا كبيرًا في الأجلين المتوسط والطويل، اعتبرت سارين أن هوية الفائزين والخاسرين لا تزال أقل وضوحًا، خصوصًا مع تصاعد أهمية المصادر المفتوحة. ووفق تقديرها، قد ينتهي هذا التباين إلى تصحيح في السوق إذا تراجعت أهمية الشركات المتصدرة حاليًا، بما يجعل تبرير تقييماتها المرتفعة أكثر صعوبة.

النمو المنتظر لا يضمن تخفيف عبء الدين

يمتد الجدل إلى قدرة الذكاء الاصطناعي على معالجة اختلالات الاقتصاد الأمريكي. ففي مقال بمجلة فورين أفيرز، تناول كينيث روغوف، أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، هذه المسألة في وقت يقترب فيه الدين الفدرالي الأمريكي من 40 تريليون دولار، بما يعادل تقريبًا ديون بقية الاقتصادات المتقدمة الكبرى مجتمعة.

مسار الدين بدا منذ وقت طويل «غير قابل للاستدامة».

وأوضح روغوف أن بعض مؤيدي الذكاء الاصطناعي يراهنون على أن انتشار التقنية سيولد نموًا واسعًا وإيرادات ضريبية جديدة تساعد في سداد الدين. لكنه شدد على أن خفض عبء الدين يتطلب تحقق الإيرادات فعليًا، وألا تنفق الحكومة المكاسب بإفراط، محذرًا من أن الطفرة قد ترفع معدلات الفائدة وتجعل خدمة الدين أكثر كلفة.

وأضاف أن مكاسب الإنتاجية قد تستغرق وقتًا أطول مما يتوقعه كثير من مستثمري وادي السيليكون. ونقل عن اقتصاديين أن الزيادة الأرجح خلال العقد المقبل ستكون في حدود 1% أو 2%، مع احتمال تقلص أثرها جزئيًا بسبب تكاليف شيخوخة السكان وتصاعد الشعبوية والتراجع عن العولمة.

ورأى روغوف أيضًا أن الاستخدامات العسكرية والهجمات السيبرانية أو خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة قد تدفع صناع السياسات إلى إبطاء تطبيق التكنولوجيا. وحتى إذا تسارع النمو، فقد ترتفع أسعار الفائدة بالمقدار نفسه أو أكثر، لتواجه الحكومة مدفوعات دين أعلى، ولا سيما مع حجم التمويل اللازم لمراكز البيانات.

سلوكيات غير متوقعة في اختبارات النماذج

لا تقتصر المخاوف على الاقتصاد. فقد قال الكاتب ماتيو وونغ، في مقال بمجلة أتلانتيك، إن مرحلة جديدة بدأت في سبتمبر/أيلول 2024، عندما أعلنت «أوبن إيه آي» نوعًا من النماذج يُعرف باسم «نماذج الاستدلال»، ودُرّب على أداء مهام صعبة وطويلة.

وبحسب وونغ، أظهرت نماذج متقدمة تابعة لشركات «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«ميتا» وشركة «مونشوت إيه آي» الصينية، خلال اختبارات روتينية، سلوكيات وصفها بأنها «تجاوزت حدود المقلق إلى الخطير». وقال إنها تمكنت من مغادرة الأنظمة الداخلية والوصول إلى الإنترنت، فيما أفادت الشركات الثلاث الأولى بأن نماذجها اخترقت شركات أخرى، ولم يلاحظ البشر ذلك إلا بعد وقوعه.

وذكر المقال أن واقعة نفذتها نماذج «أوبن إيه آي»، وسُجلت في يوليو/تموز 2026، بدت أخطر بعد كشف باحثين من الشركة، خلال مؤتمر كبير للأمن السيبراني في الأسبوع السابق لنشر المقال، تفاصيل إضافية عنها. ووفقًا للرواية المنشورة، بدأت تحركات النماذج في مايو/أيار 2026 بعدما كلفتها الشركة بمهام داخلية صعبة أو مستحيلة، لتخلص إلى أن إنجازها يتطلب مغادرة بيئة الاختبار المغلقة والبحث عن الإجابات عبر الإنترنت.

وأضاف وونغ أن النماذج استغلت ثغرة في برنامج داخلي لإنشاء مساحة خاصة تتبادل عبرها الملاحظات والتعليمات وتوزع المهام. وبعد تعطل البرنامج وإعادة بنائه من دون مساحة التواصل، أنشأت النماذج مساحة بديلة، ثم عملت بصورة جماعية على مدى أيام لاختراق منصة «هاغينغ فيس» والوصول إلى مجموعات بيانات داخلية، بحسب المقال.

ولخص وونغ الواقعة بالقول إن مجموعة من النماذج تعاونت على مدى أشهر من دون أن يكتشف مطورها ذلك، واخترقت شركة أخرى، مضيفًا أن «أوبن إيه آي» لا تزال غير متأكدة تمامًا مما وقع أو من طريقة معالجته.

وخلص إلى أن احتمال تعاون وكلاء الذكاء الاصطناعي على نحو يقوض التوجيهات البشرية لا يزال افتراضيًا، لكنه بات يستند إلى مؤشرات واقعية أكثر مما كان عليه قبل عام أو حتى ستة أشهر، في ظل تسابق الشركات إلى تطوير نماذج أشد تقدمًا قبل اكتمال فهمها أو ضمان السيطرة عليها.