أعلنت جمعية نوبل في معهد كارولينسكا، صباح الاثنين 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، منح جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب إلى العلماء كارل دايسروث وبيتر هيغمان وجورج ناغل، تقديراً لاكتشافاتهم المرتبطة بالقنوات الأيونية التي تُفتح بالضوء والبصريات الجينية، والتي أسست لتقنية تتيح التحكم في نشاط الخلايا العصبية باستخدام الضوء.
ومهدت أبحاث العلماء الثلاثة لتطوير أدوات قادرة على تشغيل خلايا عصبية معدلة وراثياً من خلال ومضات ضوئية وفي نطاق زمني يواكب السرعة الطبيعية لاستجابة تلك الخلايا.
وتعتمد التقنية على بروتينات حساسة للضوء يمكنها فتح قنوات أيونية، بما يؤدي إلى تدفق الأيونات المشحونة داخل الخلية وتوليد نبضات كهربائية تحفز جهد الفعل، فتستجيب الخلية وتنقل المعلومات عبر المحور العصبي.
مسيرة كارل دايسروث في تأسيس البصريات الجينية
ويعمل كارل دايسروث أستاذاً للهندسة الحيوية والطب النفسي والعلوم السلوكية في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا، إلى جانب عمله باحثاً في معهد هوارد هيوز. وحصل على درجة البكالوريوس في علوم الكيمياء الحيوية من جامعة هارفارد عام 1992، ثم نال الدكتوراه في العلوم العصبية من جامعة ستانفورد عام 1998.
وتعود محطة رئيسية في أبحاث دايسروث إلى عام 2005، عندما نجح مع زملائه في تعديل خلايا عصبية مأخوذة من الجرذان وراثياً، عبر إدخال جين حساس للضوء كان قد عُزل من طحالب البرك. وأظهرت التجارب أن ومضات الضوء الأزرق استطاعت تحفيز الخلايا العصبية، وأن تلك الخلايا استجابت بسرعتها الطبيعية التي لا تتجاوز بضعة أجزاء من الثانية.
وبعد عامين، تمكن دايسروث من تفعيل مفتاح التحكم الضوئي نفسه داخل الخلايا العصبية في أدمغة جرذان حية. وتمثلت أهمية النتيجة في القدرة على تحفيز بروتين واحد بدقة، وضمن نطاق زمني متوافق مع وظيفة الخلايا العصبية، وهو ما منح هذه الطريقة تفوقاً على تقنيات أخرى كانت متاحة في ذلك الوقت.
وواصل دايسروث منذ ذلك الحين أبحاثه المتعلقة بالبصريات الجينية وتطبيقاتها. وقالت لجنة نوبل إن استحقاقه الجائزة جاء عن جهوده في تحويل البروتين الحساس للضوء إلى مفتاح رئيسي يمكن من خلاله التحكم في الخلايا العصبية ضوئياً. وحصل دايسروث بين عامي 2002 و2025 على عشرات الجوائز والتكريمات من مؤسسات علمية دولية تقديراً لدوره في تأسيس البصريات الجينية وتطويرها.
ومن أبرز تكريماته جائزة الاختراق «بريكثرو» في العلوم الحياتية، وجائزة كيوتو اليابانية عام 2018، وجائزة لاسكر للعلوم الحياتية عام 2021، وجائزة لويزا غروس هورويتز التي تمنحها جامعة كولومبيا عام 2022، وجائزة اليابان في علوم الحياة عام 2023، ثم جائزة أسان للعلوم الأساسية من كوريا الجنوبية عام 2025.
بيتر هيغمان واكتشاف القنوات الحساسة للضوء
أما بيتر هيغمان، فحصل على درجة البكالوريوس في الكيمياء من جامعة مونستر عام 1975، ثم نال الدكتوراه في الكيمياء من جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ألمانيا عام 1994. ويعمل أستاذاً أول لهيرتي في العلوم العصبية بجامعة هومبولت في برلين، وهي رتبة أكاديمية فخرية تُمنح لعضو هيئة التدريس بعد تقاعده من العمل الأكاديمي المستمر، كما يرأس المجموعة البحثية للفيزياء الحيوية التجريبية.
ويُعد هيغمان أحد الآباء المؤسسين للبصريات الجينية. وقادته أبحاثه المشتركة مع جورج ناغل بشأن المستقبلات الضوئية في طحالب أحادية الخلية تُعرف باسم «المتلحفة» إلى اكتشاف قنوات أيونية حساسة للضوء داخل الخلايا.
وأتاح التعرف على بروتين «تشانيل رودوبسين 2» التحكم بدقة في الخلايا العصبية المعدلة وراثياً عند تعريضها لومضات ضوئية، فاتحاً المجال أمام إمكانات جديدة لدراسة الأمراض العصبية واحتمالات علاجها.
ونال هيغمان عدداً من الجوائز عن إنجازاته في هذا المجال، من بينها ميدالية ماندل من الأكاديمية الألمانية الوطنية للعلوم ليوبولدينا عام 2017، وجائزة رومفورد من الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم عام 2018، وجائزة شاو من هونغ كونغ في الصين عام 2020، وجائزة لاسكر لأبحاث العلوم الأساسية في الولايات المتحدة عام 2021، وجائزة لويزا غروس هورويتز من جامعة كولومبيا عام 2022.
جورج ناغل ودوره في كشف بروتينات رودوبسين
والفائز الثالث جورج ناغل، المولود عام 1953 في واينغارتن بألمانيا، درس علم الأحياء والفيزياء الحيوية في جامعة كونستانس الألمانية، وحصل على الدكتوراه من جامعة فرانكفورت عام 1988. ويعمل حالياً أستاذاً دكتوراً في قسم العلوم العصبية بجامعة فورتسبورغ.
وحاز ناغل جائزة كارل هاينز بيكورتس عام 2010 في ألمانيا، كما حصل في العام نفسه على جائزة وايلي للعلوم الطبية الحيوية في الولايات المتحدة عن دوره في اكتشاف قنوات «رودوبسون» الأيونية. ونال جائزة رومفورد من الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم في كامبريدج بالولايات المتحدة عام 2019، ومنحته جامعة فورتسبورغ، التي يعمل فيها، وسام رونتجن للعلوم تكريماً لإنجازاته العلمية.
وفي مطلع الألفينيات، تمكن هيغمان وناغل من اكتشاف بروتين «تشانيل رودوبسين» على أسطح خلايا طحالب المتلحفة. وكانت حركة هذه الطحالب باتجاه الضوء في بيئتها قد جذبت انتباه هيغمان، قبل أن يكشف الباحثان أن البروتينات المكتشفة تستطيع الاستجابة للضوء في أي خلية توضع فيها.
وعند تعريض تلك البروتينات لومضات من الضوء الأزرق، تُفتح القنوات الأيونية الموجودة في جزيئاتها، ما يسمح بتدفق الأيونات المشحونة إلى داخل الخلية. ويؤدي ذلك إلى نشوء نبضات كهربائية تحفز جهد الفعل، فتستجيب الخلية وتبدأ نقل المعلومات عبر المحور العصبي. وشكل هذا الاكتشاف الأساس العلمي الذي استندت إليه لاحقاً أدوات التحكم الضوئي الدقيق في الخلايا العصبية.
البصريات الجينية توسع فهم الدماغ وأمراضه
ووصفت لجنة نوبل إنجاز العلماء الثلاثة بأنه تحول مهم يتيح دراسة الكيفية التي تتشكل بها الذكريات والمشاعر والسلوكيات داخل الدماغ الحي، بعدما ظلت جوانب واسعة من عمله غامضة لسنوات. وبفضل البصريات الجينية، أصبح ممكناً تحديد مواضع متخصصة داخل الدماغ ترتبط بعمليات كان الوصول إليها مجرد طموح علمي.
وترى اللجنة أن التقنية ستغير طريقة فهم الدماغ وتعمقها، لأنها تمنح الباحثين وسيلة تربط نشاط خلايا بعينها بوظائف وسلوكيات محددة. كما تمهد الأبحاث المرتبطة بها لاكتشافات أكثر تقدماً في دراسة الأمراض وسبل علاجها، مستفيدة من القدرة على تشغيل الخلايا العصبية أو التحكم فيها بالضوء بسرعة ودقة زمنية عاليتين.