العودة للرئيسية

نقص 800 منتج دوائي يفاقم معاناة المرضى في إيران

يواجه المرضى في إيران نقصاً متصاعداً في الأدوية، شمل نحو 800 منتج بينها 90 صنفاً أساسياً ومنقذاً للحياة. ويعزو مختصون الأزمة إلى الحصار وصعوبات الاستيراد والتمويل وتضرر منشآت الإنتاج، فيما يلجأ مرضى إلى السوق السوداء أو يفكرون في السفر إلى دول مجاورة لاستكمال العلاج.

••6 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
يظهر داخل صيدلية في إيران، حيث يقف عدد من الأشخاص أمام رفوف الأدوية ومنضدة الخدمة. تتكدس علب الأدوية والمنتجات الطبية على الرفوف، وتظهر صناديق إمدادات في المقدمة.

تواجه إيران أزمة دوائية متفاقمة دفعت مرضى وذويهم إلى البحث بين الصيدليات والأسواق غير الرسمية عن علاجات أساسية، في ظل الحصار البحري والجوي وصعوبات الاستيراد والتمويل.

وفي صيدلية مزدحمة بشارع باهنر شمالي العاصمة طهران، قالت إنها كانت تشكو خلال الأشهر الماضية من ارتفاع تكاليف العلاج، لكنها أصبحت الآن عاجزة عن العثور على الدواء نفسه، ما يضطرها إلى محاولة شرائه بأسعار شديدة الارتفاع من السوق السوداء. وبدأت رحلة فرشته للعثور على العلاج قبل نحو 10 أيام، وشملت صيدليات حكومية وخاصة من دون أن تتمكن من تأمينه.

وقالت إن الرد يتكرر في كل صيدلية تزورها: الدواء غير متوفر، ولا يوجد موعد محدد لوصوله. وأضافت أن الصيادلة يعزون غيابه إلى توقف الشركة الموردة عن استيراده بسبب الحصار المفروض على البلاد. ولجأت فرشته مرات عدة إلى سوق ناصر خسرو، حيث يعرض باعة في السوق السوداء أدوية مستوردة بأسعار وصفتها بأنها تفوق الخيال.

الحصار يفاقم هشاشة صناعة الدواء الإيرانية

وقالت إن حديثها كان يتركز في السابق على معاناة زوجها مع المرض، لكنه أصبح يشمل أيضاً ما تواجهه هي من مشقة وضغط خلال البحث المتواصل عن العلاج ومحاولة تدبير ثمنه. وتتزامن هذه المعاناة مع هدنة هشة بين واشنطن وطهران، ومع استمرار الحصار البحري والجوي على إيران.

وفي حين تتحدث الجهات المعنية بصناعة الدواء الإيرانية عن إنتاج أكثر من 97% من احتياجات البلاد الدوائية محلياً، أظهرت الأزمة أن هذه النسبة لا تعني تحقيق اكتفاء ذاتي كامل أو تحصين القطاع من الضغوط الخارجية. ويرتبط جانب من هشاشة الصناعة المحلية باعتمادها على الخارج في جزء مهم من المواد الأولية والمواد المساعدة ومعدات الإنتاج.

وبحسب مراقبين للقطاع، فإن تصنيع الدواء داخل البلاد لا يلغي الحاجة إلى توريد هذه المدخلات، ما يجعل خطوط الإنتاج عرضة للتوقف أو التباطؤ عندما تتعطل عمليات النقل أو التحويلات المالية أو ترتفع تكاليف الاستيراد. وقال الصيدلاني صلاح الدين خديوي إن سوق الدواء تلقى أولى صدماته خلال حرب الأيام الـ12 والفترة التي أعقبتها، عندما بدأت أصناف دوائية تختفي تدريجياً.

تأخر التوريد يوسّع قائمة الأدوية المفقودة

وأضاف أن الوضع ازداد سوءاً عقب حرب رمضان، قبل أن يؤدي فرض الحصار البحري ثم الجوي إلى انتقال نقص الأدوية من ظاهرة محدودة إلى أزمة على المستوى الوطني. وأوضح خديوي أن أسعار الأدوية سجلت زيادات وصفها بأنها صاروخية، وأخرجت أصنافاً كثيرة من قدرة المواطن العادي على الشراء.

وأشار إلى أن قائمة الأدوية التي يصعب العثور عليها تتسع باستمرار، قائلاً إن عدداً متزايداً من الأصناف ينتقل يومياً من حالة الندرة إلى الانعدام الكامل في الصيدليات. وإلى جانب صعوبات التوريد، قال خديوي إن الأزمة المالية التي تواجهها شركات التأمين زادت الاضطراب في السوق، إذ لم تعد تلك الشركات قادرة على سداد مستحقات الصيدليات.

ونتيجة لذلك، بدأت بعض الصيدليات ترفض صرف الأدوية عبر التأمين وتفضل بيعها نقداً، سعياً إلى تحصيل قيمتها سريعاً وضمان استمرار قدرتها على شراء مخزون جديد. وأشار الصيدلاني إلى وجود صعوبات جوهرية في تأمين الأدوية التخصصية، وفي مقدمتها علاجات السرطان وأدوية العلاج الكيميائي.

النقص يمتد إلى الإنسولين والعلاجات التخصصية

وأضاف أن النقص امتد أيضاً إلى الإنسولين المصنّع محلياً، في مؤشر على أن الأزمة لا تقتصر على المنتجات المستوردة الجاهزة، بل تشمل أدوية تعتمد صناعتها داخل إيران على مواد ومدخلات قادمة من الخارج. وأرجع خديوي توقف بعض عمليات الإنتاج خلال الأشهر القليلة الماضية إلى مشكلات استيراد المواد الأولية وارتفاع التكاليف.

وقال إن إلغاء الحكومة توفير العملة الصعبة المدعومة للقطاع الخاص رفع أعباء الشركات، بالتزامن مع ارتفاع كبير في أسعار الصرف بالسوق الموازية، وهو ما انعكس على قدرة المصانع والموردين والصيدليات على تمويل احتياجاتهم.

وبحسب خديوي، أصبح المرضى أمام ثلاثة خيارات صعبة: شراء الدواء بثمن باهظ من السوق السوداء، أو اللجوء إلى بدائل إيرانية قد لا تتمتع بفعالية الدواء المستورد نفسها، أو السفر إلى دولة مجاورة للحصول على العلاج. وأضاف أن السوق السوداء ازدهرت خلال الفترة الأخيرة مع اتساع الفجوة بين الطلب والكميات المتاحة عبر شبكة التوزيع الرسمية.

وحذر خديوي أيضاً من المخاطر المرتبطة بسلسلة تبريد الأدوية التي تُنقل براً عبر قنوات غير رسمية، موضحاً أن بعض المنتجات قد تفقد فعاليتها إذا لم تُحفظ ضمن درجات الحرارة المطلوبة. ويضاعف هذا الاحتمال مخاوف المرضى الذين يدفعون أسعاراً مرتفعة للحصول على أدوية مهربة من دون ضمانات كافية بشأن ظروف نقلها أو تخزينها وسلامتها.

توقيف شبكة تهريب أدوية السرطان في طهران يبرز اتساع الأزمة

وفي موازاة لجوء سماسرة إلى جلب بعض الأدوية عبر الطرق البرية بعد توقف الرحلات الجوية، أعلن المدعي العام في طهران علي صالحي توقيف شبكة متهمة بتهريب أدوية إلى إحدى الدول المجاورة. وقال إن المتهمة الرئيسية امرأة من دولة مجاورة، وضُبطت بحوزتها كميات من الأدوية المهربة والخارجة عن شبكة التوزيع الرسمية.

وأضاف صالحي أن التحقيقات لا تزال متواصلة مع أشخاص مرتبطين بالمتهمة في قضية تهريب أدوية للسرطان. وتسلط القضية الضوء على الضغوط التي تتعرض لها سوق الدواء من جهتين؛ نقص المنتجات داخل الصيدليات الرسمية، وحركة الأدوية عبر قنوات التهريب سواء إلى داخل البلاد أو خارجها.

وقال المتحدث السابق باسم وزارة الصحة الإيرانية كيانوش جهانبور إن قطاع الدواء تأثر بالعقوبات والحصار نتيجة الصعوبات التي تعترض المبادلات المالية. وأضاف أن شركات غربية وبعض الشركات الشرقية امتنعت عن بيع الأدوية إلى طهران، مستندة إلى العقوبات أو مشكلات التبادل المالي، بينما امتنعت جهات أخرى عن توريد المواد الفعالة أو تأخرت في تنفيذ التزاماتها بحجة مشكلات النقل.

وأوضح جهانبور أن هذه العقبات كانت قائمة قبل الأزمة الراهنة، لكنها تفاقمت في الفترة الأخيرة بسبب الحصار. وأشار إلى أن إيران واجهت داخلياً، في بعض الأحيان، صعوبة في توفير العملة الصعبة اللازمة لاستيراد الأدوية.

وقال إن الغذاء والدواء تأثرا فعلياً بالعقوبات والضغوط الاقتصادية، على خلاف السياسة المعلنة للدول الغربية بأن هذين القطاعين غير مشمولين بها، رغم ما أظهره قطاع الدواء الإيراني من قدرة على الصمود. وكشف جهانبور أن الصناعة الدوائية الإيرانية تعرضت خلال الحربين الأخيرتين، ولا سيما حرب رمضان، لأضرار وخسائر على مستويات مختلفة.

وقال إن بعض شركات تصنيع الأدوية، ومنها شركة توفيق دارو، تعرضت لهجوم عسكري مباشر، كما استُهدفت مؤسسات أكاديمية ومراكز بحثية، من بينها معهد باستور، الذي يُعد أحد أكبر مراكز أبحاث اللقاحات والأمراض المعدية في إيران.

وأضاف أن أكثر من 20 شركة وموقعاً لتصنيع الأدوية تعرضت لأضرار جزئية أو كلية، إلى جانب استهداف شحنات دوائية في عرض البحر. وقدّر أن ما يقرب من 10% من شركات ومواقع تصنيع الدواء في البلاد تضررت بدرجات متفاوتة جراء الحرب الأخيرة، معتبراً أن جانباً من الوضع الدوائي الحالي ناتج عن الهجمات العسكرية التي أصابت منشآت القطاع وسلاسل إمداده.

وأشار جهانبور إلى أن إيران كانت قد استعدت قبل الحرب بتخزين كميات من الأدوية، معتبراً أن دعم الإنتاج المحلي رسمياً يمثل أحد أكثر الحلول فاعلية لتجاوز المرحلة الحالية.

وأكد أن كميات من الضروريات الدوائية ما زالت مخزنة في محافظات مختلفة ويمكن استخدامها عند الحاجة، رغم الخسائر التي لحقت بالمصانع ومراكز البحث وتعطل جانب من عمليات الاستيراد. وفي طهران، لا تزال فرشته تبحث عن علاج زوجها، وتدرس الانتقال مؤقتاً إلى إحدى الدول المجاورة لمواصلة علاجه هناك.

وقالت إنها لم تعد قادرة على تحمل رؤيته يتألم بسبب غياب الدواء، كما لا تستطيع الاستمرار في دفع مبالغ كبيرة للسوق السوداء من دون ضمان سلامة العلاج المهرب. وأضافت: «كانت الحرب تعني لنا الخوف من القصف، أما اليوم فتعني الخشية من انعدام العلاج. نحن ندفع ثمن هذه الحرب مرتين، مرة في أرواحنا ومرة في صحتنا».