العودة للرئيسية
صحة

الجفاف يتجاوز العطش ويهدد القلب والكلى ووظائف الدماغ

يبدأ الجفاف عندما يفقد الجسم ماء أكثر مما يحصل عليه، وقد يصاحبه اضطراب في الصوديوم والشوارد يؤثر في الأعصاب والعضلات والقلب وأعضاء أخرى. وتتدرج علاماته من جفاف الفم والصداع وقلة البول إلى الارتباك والإغماء، بينما تختلف الحاجة اليومية إلى السوائل بحسب العمر والنشاط والمناخ والحالة الصحية.

•7 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
امرأة تشرب الماء من زجاجة بلاستيكية في الهواء الطلق تحت ضوء الشمس. تبدو مرتدية قميصاً رياضياً.

لا يقتصر أثر الجفاف على الشعور بالعطش، إذ يبدأ عندما يفقد الجسم من الماء أكثر مما يحصل عليه، وقد يترافق مع فقد الصوديوم وغيره من الشوارد أو اختلال توازنها، ولا سيما في حالات التعرق الشديد والقيء والإسهال.

تدرج نقص السوائل وتأخر الإحساس بالعطش

ويمكن أن يمتد تأثير نقص السوائل من الصداع والتعب وضعف التركيز إلى اضطراب الوعي وتراجع تروية الأعضاء وصدمة نقص حجم الدم في الحالات الشديدة. ويختلف العطش عن الجفاف من الناحية الفسيولوجية؛ فالعطش إشارة تدفع الإنسان إلى الشرب، في حين يعني الجفاف أن نقص السوائل بدأ بالفعل.

ولا تمثل هذه الإشارة دائما إنذارا مبكرا يمكن الاعتماد عليه، خصوصا لدى كبار السن الذين قد تضعف لديهم استجابة العطش، ما يزيد احتمال استمرار فقد السوائل قبل الانتباه إلى الحاجة لتعويضها. ويؤدي الماء دورا أساسيا يتجاوز إطفاء العطش، فهو الوسط الذي تجري فيه عمليات حيوية عديدة داخل الجسم.

  • ويعتمد الدم واللمف والسائل المحيط بالخلايا والسوائل الموجودة داخلها على البيئة المائية لنقل المغذيات والأكسجين، والتخلص من الفضلات، وإتمام التفاعلات الكيميائية الحيوية التي تحفظ توازن الجسم وتسمح للأعضاء بمواصلة وظائفها. ويحتاج الدماغ إلى الماء لإتمام عملياته الأيضية، بينما يعتمد القلب على وجود حجم مناسب من الدم حتى يواصل الضخ.

  • وتحتاج الرئتان إلى أسطح رطبة لإجراء تبادل الغازات، وتستخدم الكليتان الماء لتنظيم الشوارد وطرح الفضلات، في حين يعتمد الجهاز الهضمي عليه في عمليتي الهضم والامتصاص. كما تحتاج العضلات والأعصاب إلى توازن الماء والشوارد لتوليد الإشارات الكهربائية والانقباض والحركة.

  • ويتكون جزيء الماء من ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين، ورغم بساطة تركيبه فإنه يمثل شرطا أساسيا للحياة. وتبدأ منظومة الإحساس بالحاجة إليه قبل تناول أي شراب؛ فعندما ترتفع أسمولية الدم، أي يزداد تركيز المواد الذائبة فيه، تلتقط مستقبلات متخصصة هذا التغير، بينما ترصد مستقبلات أخرى انخفاض حجم الدم أو تراجع الضغط في الدورة الدموية.

كيف يستجيب الدماغ والكليتان لنقص الماء

وتنتقل تلك الإشارات إلى مناطق في الدماغ، من بينها الوطاء الذي يؤدي دورا محوريا في تنظيم توازن الماء، فتتولد الرغبة في الشرب. وفي الوقت نفسه يزداد إفراز الهرمون المضاد لإدرار البول المعروف باسم «فازوبريسين»، فيدفع الكليتين إلى إعادة امتصاص مزيد من الماء، ويقل فقد السوائل عبر البول الذي يصبح أكثر تركيزا.

وبذلك يتحرك الجسم في مسارين متزامنين لمواجهة النقص؛ فهو يحفز الإنسان على البحث عن الماء، ويحاول الاحتفاظ بالسوائل الموجودة لديه إلى أن يحصل على حاجته. وبعد شرب الماء، يبدأ امتصاصه عبر الجهاز الهضمي، ثم يتوزع بين الدم والسائل المحيط بالخلايا وداخل الخلايا، ضمن توازن دقيق تحكمه حركة الماء والمواد الذائبة عبر الأغشية.

ولا تتساوى تراكيز الشوارد على جانبي غشاء الخلية، إذ يكون تركيز الصوديوم أعلى خارجها، بينما يوجد البوتاسيوم بتركيز أكبر داخلها. وتعد هذه الفروق ضرورية لضبط حجم الخلية، والمحافظة على وظائفها الكهربائية وقدرتها على التواصل.

ثلاثة
أيونات الصوديوم تنقلها المضخة

ومن أبرز الآليات المسؤولة عن إبقاء هذا الاختلاف «مضخة الصوديوم والبوتاسيوم» التي تعمل باستخدام الطاقة الخلوية. وفي كل دورة، تنقل هذه المضخة ثلاثة أيونات من الصوديوم إلى خارج الخلية مقابل إدخال أيونين من البوتاسيوم، مع استهلاك جزيء من الطاقة الخلوية. وتحافظ هذه الآلية على التوازن الأسموزي والجهد الكهربائي للخلايا.

علامات الجفاف وتأثيره في الأعضاء الحيوية

وعندما يجتمع الجفاف الشديد مع اضطرابات كبيرة في الشوارد، قد تظهر التشنجات والضعف واضطراب الوعي، وتتأثر ضربات القلب ووظائف الأعضاء الحيوية. وتشمل العلامات المبكرة للجفاف العطش وجفاف الفم والصداع والتعب وضعف التركيز، إلى جانب انخفاض كمية البول أو تحوله إلى لون أغمق من المعتاد.

ومع ازدياد فقد السوائل، قد يعاني الشخص الدوخة والضعف وتسارع ضربات القلب، ويواصل الجسم تقليل البول في محاولة للحفاظ على حجم الدورة الدموية وضمان تروية الأعضاء الحيوية. أما الجفاف الشديد فقد يظهر في صورة ارتباك أو إغماء أو ضعف بالغ، مع تراجع كبير في البول أو انعدامه. وقد يصاحب ذلك تسارع النبض والتنفس وبرودة الأطراف.

وتمثل هذه الأعراض علامات تستوجب تقييما طبيا عاجلا، لأنها قد تشير إلى أن نقص السوائل تجاوز قدرة الجسم على التعويض وأصبح مؤثرا في الدورة الدموية والأعضاء. وترفع الحرارة خطر الجفاف بسبب زيادة فقد الماء عبر التعرق، كما قد تزداد خسارته في بعض البيئات الجافة والمرتفعات.

لذلك تبرز أهمية الانتباه إلى الترطيب خلال موجات الحر، وأثناء السفر، وعند العمل في ظروف مناخية قاسية. ويزداد الخطر كذلك مع النشاط البدني الطويل، ولا سيما إذا ترافق المجهود مع ارتفاع درجات الحرارة. وخلال المجهود البدني، لا يفقد الجسم الماء وحده، بل يخسر الصوديوم أيضا مع العرق، وتزداد الكمية المفقودة كلما طالت مدة النشاط واشتدت الحرارة.

وقد يحتاج الأشخاص الذين يتعرقون لساعات إلى تعويض الماء والشوارد معا. ومن الأسباب الطبية الشائعة لفقد السوائل القيء والإسهال والحمى، كما قد تزيد بعض الأدوية، وخصوصا مدرات البول، كمية الماء التي يطرحها الجسم. وتسهم القهوة والشاي وغيرهما من المشروبات المحتوية على الكافيين في إجمالي السوائل اليومية إذا استهلكت باعتدال، ولا تسبب عادة الجفاف لدى الأشخاص المعتادين عليها.

الفئات الأكثر عرضة وأسباب فقد السوائل الشائعة اليوم

لكن الإفراط في تناول المشروبات شديدة السكر أو الغنية بالكافيين لا يمثل وسيلة مثالية للترطيب، ولا ينبغي الاعتماد عليها بصورة دائمة بديلا من الماء. ويواجه الرضع والأطفال خطرا خاصا، لأنهم قد يفقدون الماء والشوارد بسرعة أثناء القيء والإسهال، ويمكن أن يتطور الجفاف لديهم خلال وقت قصير.

ويزداد الخطر أيضا لدى كبار السن بسبب ضعف الإحساس بالعطش، فضلا عن تأثير الأمراض المزمنة وصعوبة الحركة وبعض الأدوية في قدرتهم على الوصول إلى السوائل أو الاحتفاظ بها. وقد يؤدي ارتفاع سكر الدم لدى بعض المصابين بأمراض مزمنة إلى زيادة فقد الماء عن طريق البول.

وفي المقابل، قد يحتاج مرضى القلب أو الكلى إلى تقييد كمية السوائل، وهو ما يجعل تحديد الحاجة اليومية مسألة فردية وليست قاعدة موحدة. ولا تصلح كمية واحدة من الماء لجميع الأشخاص بصرف النظر عن حالتهم الصحية وظروفهم اليومية. وعلى المدى القصير، يرتبط نقص السوائل بالصداع والتعب وتراجع الانتباه والأداء الذهني، وقد يصبح تأثيره أوضح مع الحرارة والمجهود البدني.

وفي الجهاز البولي يؤدي نقص الماء إلى زيادة تركيز البول، بينما يعد تناول كمية مناسبة من السوائل من الوسائل الأساسية لتقليل خطر بعض أنواع حصوات الكلى. وقد يسهم نقص السوائل كذلك في إصابة بعض الأشخاص بالإمساك. وفي الحالات الخطيرة، يمكن أن يؤدي الفقد الشديد للسوائل إلى انخفاض حجم الدم وضغطه، ثم تراجع وصول الدم إلى الأعضاء، وصولا إلى صدمة نقص حجم الدم.

وقد يسبب الاضطراب الحاد في مستوى الصوديوم وغيره من الشوارد أعراضا عصبية وتشنجات، وهو ما يوضح أن أثر الجفاف لا يبقى محصورا في الإحساس بالعطش أو جفاف الفم. وقد يترافق نقص السوائل الواضح مع جفاف الجلد، لكن زيادة شرب الماء لدى شخص يحصل بالفعل على حاجته لا تضمن وحدها أن تصبح بشرته أكثر ترطيبا.

ويتأثر الجلد بعوامل متعددة، منها سلامة الحاجز الجلدي والعناية الموضعية والتغذية والحماية من الشمس، كما تظل الأدلة على فائدة شرب كميات إضافية من الماء لتحسين ترطيب البشرة محدودة. ولا تمثل قاعدة شرب ثمانية أكواب يوميا قانونا طبيا ينطبق على الجميع، لأن الاحتياج إلى الماء يتغير تبعا للعمر وحجم الجسم ونوعية الطعام ومستوى النشاط والمناخ والحالة الصحية.

لكن هذا النطاق ليس معادلة عامة لتحديد الكمية التي يتعين على كل شخص شربها، إذ يمكن أن تغير الحرارة والتعرق والمرض والحمل وبعض أمراض القلب والكلى الحاجة إلى السوائل بدرجة كبيرة. وبالنسبة إلى معظم الأصحاء، تساعد الاستجابة للعطش ومراقبة لون البول وزيادة السوائل خلال الحر والمجهود في الحفاظ على الترطيب.

وتسهم الأطعمة الغنية بالماء، مثل الخيار والبطيخ والشمام والحمضيات وغيرها من الفواكه والخضراوات، في إجمالي كمية الماء التي يحصل عليها الجسم، كما توفر الألياف وعددا من المغذيات. وعند الإصابة بالإسهال أو القيء، قد لا يكون الماء وحده كافيا، لأن الجسم يخسر السوائل والشوارد في الوقت نفسه.

وتعد محاليل الإماهة الفموية ذات التركيبة المعيارية الخيار الأفضل عند الحاجة إليها. أما إعداد المحاليل المنزلية فيتطلب التزاما دقيقا بالمقادير، لأن زيادة الملح أو السكر قد تسبب الضرر، وخصوصا لدى الأطفال. ومع تزايد التعرض لموجات الحر، تزداد أهمية الحفاظ على الترطيب لدى العاملين في الهواء الطلق وكبار السن والأطفال.

فارتفاع التعرق يزيد خسارة الماء والشوارد، ويرفع العبء الواقع على القلب والكليتين. ولا تتوقف المسألة عند مقدار ما يشربه الفرد، لأن توفر مياه شرب آمنة وكافية يمثل ركنا من أركان الصحة العامة. ويهدد نقص المياه أو تلوثها قدرة الناس على الشرب الآمن والحفاظ على النظافة والوقاية من الأمراض.

لذلك تمتد أهمية الماء من تنظيم التوازن داخل الخلايا والدم والدورة الدموية إلى ضمان الوصول المستمر إلى مصدر مأمون، بما يحمي الأفراد من الجفاف ويدعم الوظائف الحيوية والصحة العامة.