أزال عمال خلال ليل الأربعاء إلى الخميس لافتات ولوحات من مبنى القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، قبيل انتهاء المهلة التي حددتها إسرائيل لإغلاقها، في تطور يزيد حدة التوتر الدبلوماسي بين لندن وتل أبيب. ويتزامن ذلك مع مخاوف لدى بنوك إسرائيلية من أن تشملها عقوبات بريطانية مرتقبة بسبب دور المؤسسات المالية في تمويل توسيع المستوطنات بالضفة الغربية.
أمر إسرائيلي بإغلاق القنصلية خلال 30 يوماً
وكانت إسرائيل قد أمرت بريطانيا الشهر الماضي بإغلاق القنصلية خلال 30 يوماً وإخراج الدبلوماسيين العاملين فيها من المدينة. وجاء القرار عقب إعلان لندن فرض عقوبات تستهدف المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وتتضمن حظراً تجارياً على البضائع المصنعة فيها.
وشاهد صحفيون عمالاً تابعين للقنصلية يزيلون لوحة تحمل اسم «القنصلية البريطانية العامة»، إلى جانب لوحة أخرى تشير إلى القسم القنصلي، بينما ظل العلم البريطاني مرفوعاً فوق المبنى. ولم يصدر تعليق فوري من القنصلية بشأن إزالة اللوحات أو وضع عملياتها بعد انتهاء المهلة.
وتمسكت إسرائيل بإغلاق القنصلية رغم محاولات بريطانية لإبقائها مفتوحة. وشملت تلك المساعي إرسال جوناثان باول، أكبر مستشار للأمن القومي البريطاني، إلى إسرائيل الأسبوع الماضي لإجراء محادثات غير معلنة بشأن الأزمة. ويعود الوجود البريطاني في القدس إلى ما يقرب من 200 عام، أي إلى فترة سبقت قيام إسرائيل عام 1948 بوقت طويل.
مهام القنصلية وموقعها في القدس الشرقية
ولا يشمل أمر الإغلاق السفارة البريطانية في تل أبيب، التي تتولى إدارة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين المملكة المتحدة والحكومة الإسرائيلية. وتقع القنصلية البريطانية في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية، وتتولى إدارة العلاقات البريطانية مع الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، كما تقدم خدمات قنصلية للفلسطينيين.
وقالت مصادر إن قرار الإغلاق يؤثر على نحو 30 دبلوماسياً بريطانياً، إضافة إلى أفراد أسرهم. وأحجمت وزارة الخارجية البريطانية، الأربعاء، عن توضيح ما إذا كانت القنصلية لا تزال تعمل، أو ما إذا كان أي من الدبلوماسيين البريطانيين العاملين فيها قد عاد إلى المملكة المتحدة.
بريطانيا تدرس طرد دبلوماسيين إسرائيليين
وفي المقابل، تدرس بريطانيا طرد دبلوماسيين من السفارة الإسرائيلية في المملكة المتحدة رداً على إغلاق القنصلية وإجبار طاقمها على مغادرة القدس، وفق ما نقلته رويترز عن مصادر يوم الثلاثاء. ونقلت صحيفة جيروزاليم بوست عن مصدرين مطلعين أن مسؤولين بريطانيين كباراً أبلغوا الجانب الإسرائيلي بأن لندن قد ترد بطرد 27 دبلوماسياً إسرائيلياً مع عائلاتهم، إذا أُغلقت القنصلية وأُخرج الدبلوماسيون البريطانيون منها.
وذكرت صحيفة غارديان أن التهديد البريطاني يستند إلى مبدأ طرد دبلوماسي إسرائيلي مقابل كل دبلوماسي بريطاني يُجبر على المغادرة، وهو ما قد يرفع عدد الدبلوماسيين الإسرائيليين المشمولين بالإجراء إلى 27.
وسيكون تبادل طرد الدبلوماسيين خطوة نادرة في العلاقات بين الجانبين، اللذين ما زالا، رغم التوتر الراهن، شريكين وثيقين في المجالات الاقتصادية والأمنية والاستخباراتية. ويمثل إعلان العقوبات البريطانية وقرار إسرائيل إغلاق القنصلية مرحلة جديدة من تراجع العلاقات خلال السنوات الثلاث الماضية.
وانتقدت بريطانيا مراراً تصرفات إسرائيل خلال حرب غزة، وكذلك هجمات مستوطنين إسرائيليين على فلسطينيين في الضفة الغربية. وفي المقابل، تتهم حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حزب العمال الحاكم في بريطانيا باتخاذ موقف عدائي تجاه إسرائيل.
تحذيرات مصرفية من عقوبات تمويل المستوطنات
وبالتوازي مع الأزمة الدبلوماسية، أعد اتحاد البنوك الإسرائيلي تقييماً يحذر من احتمال تأثر مؤسسات مالية إسرائيلية بالعقوبات البريطانية المرتقبة، وفق ما أوردته صحيفة هآرتس. وقد تشمل الإجراءات جهات تشارك في البناء داخل المستوطنات أو تموله، بدلاً من اقتصارها على المتورطين في أعمال عنف ينفذها مستوطنون.
وترفض البنوك الإسرائيلية حالياً توضيح ما إذا كانت ستقدم ضمانات إلى المقاولين الراغبين في المشاركة في مناقصات طرحتها الحكومة للبناء في مشروع «إي 1» الاستيطاني، الواقع بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، وسط تحذيرات غربية من المشاركة في المشروع. ويقع مشروع «إي 1» شرقي القدس، ويهدف إلى ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالمدينة عبر مصادرة أراض فلسطينية.
ومن شأن تنفيذه فصل القدس الشرقية عن الضفة الغربية. وفي 8 سبتمبر/أيلول الماضي، أعلنت 12 دولة، من بينها بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وكندا، اعتزامها حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية. وفي التوقيت نفسه، أعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أن بلاده تعتزم توسيع نظام العقوبات ليشمل جهات وأشخاصاً يشاركون في بناء المستوطنات أو تمويلها.
وعقد ممثلون عن اتحاد البنوك الإسرائيلي اجتماعات مع مسؤولين في وزارة الخارجية الإسرائيلية وبنك إسرائيل المركزي ووزارة الشؤون الإستراتيجية، لعرض مخاوفهم من التداعيات المحتملة للعقوبات. ويرى الاتحاد أن العقوبات، إذا أُقرت، قد تؤثر في المؤسسات المالية المرتبطة بتوسيع المستوطنات.
كما قد تدفع مؤسسات مالية دولية إلى تشديد التدقيق في المعاملات المتصلة بهذه الأنشطة حتى قبل دخول التشريع البريطاني حيز التنفيذ. وفي 27 سبتمبر/أيلول الماضي، قررت المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية غالي بهاراف ميارا تأجيل الموعد النهائي لتقديم العطاءات في مناقصة بناء مشروع «إي 1» لمدة شهر، على ألا تستكمل بقية الإجراءات إلا بعد انتخابات الكنيست.
وتشير معطيات رسمية فلسطينية إلى أن نحو 750 ألف مستوطن يقيمون في 194 مستوطنة و400 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.