قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الاثنين، إن قاذفات بلاده سُحبت من قاعدة فيرفورد في جنوب غربي إنجلترا بسبب تهديدات تستهدف الطائرات، مشيرا إلى أن من يقفون وراءها مرتبطون بإيران. وجاء تصريحه بعد إعلان واشنطن عودة جميع القاذفات التي كانت منتشرة في القاعدة البريطانية إلى مواقعها داخل الولايات المتحدة.
وأوضح ترمب للصحفيين في البيت الأبيض: «كانت هناك تهديدات، لذا بدلا من تركها عرضة للأعداء.. قمنا بنقلها قليلا، لم نبعدها كثيرا». وأضاف أن السلطات الأمريكية تعرف الأشخاص الذين يقفون وراء التهديد، قائلا: «إنهم مرتبطون بإيران». وكان نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس قد قال إن واشنطن اتخذت قرار سحب القاذفات من باب الحيطة والحذر الشديدين.
وأضاف للصحفيين: «لدينا قناعة بأن الإيرانيين يحاولون، كما دأبت الدولة الإيرانية على فعله طيلة 49 عاما، الانخراط في أعمال إرهابية ضد الولايات المتحدة وغيرها، لذا فإننا نتوخى أقصى درجات الحذر، وهذا كل ما سأقوله في هذا الصدد».
روبيو ينفي الصلة المباشرة بين السحب والتهديد
في المقابل، قدم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تفسيرا مختلفا، إذ قال في وقت سابق إنه لا توجد صلة مباشرة بين السحب المفاجئ للقاذفات والمخطط الإيراني المشتبه به. وأوضح أن البنتاغون يعيد باستمرار توزيع موارده وفقا للحاجة، في وقت أكدت فيه جهات حكومية بريطانية أن قاعدة فيرفورد آمنة.
وأعلنت الولايات المتحدة، الأحد، سحب جميع قاذفاتها من القاعدة التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، بعد حادث أمني غامض وقع خلال الشهر السابق وأدى إلى فتح تحقيق لمكافحة الإرهاب. وقال مسؤول في البنتاغون إن كل القاذفات الأمريكية التي كانت منتشرة في فيرفورد عادت إلى قواعدها في الولايات المتحدة، مضيفا أن اعتبارات الأمن العملياتي منعت تأكيد تحركات المعدات والقوات وقت حدوثها.
تحقيق مكافحة الإرهاب يبدأ بعد حادث القاعدة
وبدأت الواقعة في 27 سبتمبر/أيلول، عندما استُدعيت الشرطة إلى القاعدة إثر بلاغ عن نشاط «مريب» لمجموعة من الرجال وعدد من الشاحنات الصغيرة. وأخلت السلطات عقب ذلك 85 منزلا بالقرب من المنشأة الجوية التي استخدمتها الولايات المتحدة في شن ضربات على إيران.
وقال رئيس وحدة مكافحة الإرهاب الوطنية البريطانية لورانس تايلور إن المحققين لم يعثروا على متفجرات داخل الشاحنات، لكنهم وجدوا كميات من البنزين. وتراوحت التكهنات بشأن دوافع الواقعة بين احتمال وجود تهديد إرهابي ومحاولة لسرقة الوقود، بالتزامن مع وصول أسعاره في بريطانيا إلى مستويات قياسية خلال الأسبوع.
ونُقل عن مسؤول أمريكي لم تُكشف هويته أن القاذفات حُركت بعد ظهور «تهديد جديد غير محدد»، ووصف التطور بأنه «حادث حقيقي على أرض الواقع». كما اعتبر أن إعادة القاذفات إلى قواعدها الأصلية، بدلا من نقلها إلى قاعدة أخرى في المنطقة، إجراء غير معتاد. وقال مسؤولون أمريكيون إن القادة تلقوا تهديدات جديدة تتعلق بمخطط مدعوم من إيران يستهدف قاعدة فيرفورد.
وأفاد أحد المسؤولين بأن المعلومات الجديدة كانت جزءا من التحذيرات المتعلقة بالتهديدات نفسها التي برزت قبل ثلاثة أسابيع، إلا أن الوضع أصبح ملحا خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة لنقل الطائرات.
بريطانيا وطهران تتبادلان الاتهامات بشأن الحادث
وأكد متحدث باسم الحكومة البريطانية، ردا على سؤال صحفي الاثنين، أن قاعدة فيرفورد آمنة، وقال إن بريطانيا تمتلك وسائل فعالة للدفاع عن قواعدها داخل البلاد وخارجها. كما أشارت تقارير إلى تشديد الإجراءات الأمنية في القاعدة خلال الفترة الأخيرة. وقال رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام إن هناك «مؤشرات قوية على أن إيران كان لها دور» في الحادث.
ورفضت طهران هذا الاتهام، إذ أعلنت سفارتها في لندن أنها «ترفض بشكل قاطع وتدين بشدة» التكهنات المتعلقة بضلوع إيران، بينما كتب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على منصة إكس أن بيرنهام «يطرق الباب الخطأ». وأفرجت السلطات بكفالة عن ستة بريطانيين مقيمين في لندن كانوا قد أوقفوا على خلفية الواقعة، بينهم شخص يحمل الجنسيتين البريطانية والإيرانية.
وجميع الموقوفين رجال في منتصف العشرينيات، وقد أثار الإفراج عنهم انتقادات من واشنطن. ووصفت كبيرة المنسقين الوطنيين لشرطة مكافحة الإرهاب، فيكي إيفانز، التحقيق بأنه «بالغ التعقيد». وقالت في بيان صدر الخميس إن الشرطة تدرس «كل الفرضيات المحتملة، بما في ذلك احتمال ضلوع دولة أجنبية».
وازداد الغموض المحيط بالحادث بعد تقارير إعلامية بريطانية أفادت بأن أحد المشتبه بهم كان الشخص الذي أبلغ الشرطة بالواقعة في البداية، من دون أن تعلق الشرطة على تلك التقارير. وأظهرت لقطات جوية أن الشاحنات كانت تحمل ما يبدو أنها براميل، بينما وضعت على واحدة منها على الأقل علامة تجارية ورقم هاتف مزيفان، بما أعطى انطباعا بأنها تتبع شركة لتوصيل وقود الديزل.
سحب القاذفات يحد مؤقتا من خيارات واشنطن
وكانت بريطانيا قد منحت واشنطن في مارس/آذار الإذن باستخدام قاعدة فيرفورد لتنفيذ «عمليات دفاعية محددة داخل إيران». ومنذ ذلك الحين، شوهدت قاذفات وطائرات أمريكية أخرى تقلع من القاعدة وتهبط فيها. وتعد فيرفورد القاعدة الجوية الوحيدة في البر الرئيسي البريطاني التي تستخدمها الولايات المتحدة لهذا الغرض.
وقال الباحث والمحلل في المعهد الملكي للخدمات المتحدة كريستوف بيرجز إن سحب القاذفات يقلص، على المدى القصير، قدرة الولايات المتحدة على «تكثيف الطلعات الجوية بسرعة ضد إيران، مما يخفف من مستوى التهديد نوعا ما». وأشار بيرجز إلى أن استخدام قاعدة فيرفورد كان محدودا بالفعل بسبب الشروط التي وضعتها لندن بشأن الضربات الدفاعية.
وأضاف أنه يمكن نظريا إرسال الطائرات إلى قاعدة دييغو غارسيا أو إلى قواعد في منطقة الخليج، بما يقلل الحاجة إلى عمليات التزود بالوقود جوا لتغطية المسافة الإضافية، لكن ذلك يتوقف على القدرات الاستيعابية المتاحة والمفاوضات مع الحلفاء والاعتبارات الأمنية. وتستخدم القوات الجوية الأمريكية قاعدة فيرفورد منذ حقبة الحرب الباردة.
كما سبق أن استعانت الولايات المتحدة بالقاعدة في عمليات عسكرية خلال حرب الخليج في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ثم خلال حرب العراق عام 2003.