العودة للرئيسية
تكنولوجيا

تقنية صينية تستخدم كاميرا الهاتف لرصد اليورانيوم في المياه

طوّر فريق بحثي صيني منظومة محمولة تجمع مادة كاشفة مضيئة وكاميرا هاتف وتطبيقاً رقمياً لقياس أيونات اليورانيل في المياه خلال لحظات. وأظهرت التجارب حساسية تقل عن نصف الحد الأقصى المسموح به في مياه الشرب، ودقة تجاوزت 95% في عينات من البحيرات ومياه البحر، مع بقاء تحديات فنية قبل الاستخدام الواسع.

••5 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
أشخاص يرتدون قفازات زرقاء يفحصون عينة ماء قرب مجرى مائي باستخدام جهاز اختبار، ومصباح فوق بنفسجي وهاتف ذكي يعرض نتائج القياس. تظهر حقيبة تحتوي على أدوات ومستلزمات الفحص في المقدمة.

طوّر فريق بحثي صيني تقنية ميدانية محمولة تستعين بكاميرا الهاتف الذكي للكشف عن تلوث المياه بأيونات اليورانيل، عبر تحليل التغير بين إشارتين ضوئيتين خضراء وحمراء وتحويله خلال لحظات إلى قياس لتركيز اليورانيوم.

حساسية المنظومة تتجاوز متطلبات مياه الشرب

وأظهرت دراسة حديثة نشرت في دورية «سستنبل كربون ماتيريال» أن حساسية المنظومة تصل إلى مستوى يقل عن نصف الحد الأقصى المسموح به عالمياً في مياه الشرب، ما يتيح استخدامها أداة للتنبيه المبكر. تستهدف التقنية تسهيل الرقابة البيئية على الأنشطة المرتبطة بدورة الوقود النووي، بما فيها التعدين ونقل المواد المشعة ومعالجة المخلفات في المحطات.

وقد تؤدي الحوادث أو العوامل البيئية غير المحسوبة إلى انتقال تسربات عرضية نحو مصادر المياه العذبة أو السواحل البحرية، وهو ما يزيد الحاجة إلى فحوص سريعة يمكن تنفيذها في الموقع مع التوسع العالمي في الطاقة النووية لتوليد الكهرباء والحد من الانبعاثات الكربونية.

تعتمد مراقبة هذا النوع من التلوث عادة على أجهزة مخبرية متقدمة، من بينها مطيافية الكتلة للبلازما المقترنة بالحث. وتوفر هذه المعدات دقة مرتفعة، لكنها كبيرة الحجم ومرتفعة التكلفة، كما تحتاج إلى تجهيز معقد ومسبق للعينات. ويجعل ذلك إجراء الفحوص الفورية في الميدان صعباً، ويحصر جانباً كبيراً من عمليات التحليل في مختبرات مركزية مجهزة.

وقال أحمد قاسم، الباحث في قسم الكيمياء بجامعة فرجينيا كومنولث الأميركية وغير المشارك في الدراسة، إن اليورانيوم يوجد في المياه غالباً في صورة أيون اليورانيل، الذي يتميز بقابليته الشديدة للذوبان وسهولة انتقاله.

حقيبة صغيرة تقيس اليورانيل بكاميرا الهاتف

وبحسب نتائج الدراسة، تستطيع المنظومة الجديدة رصد أيونات اليورانيل عند مستوى يقل عن نصف هذا الحد، وهو ما يوفر هامشاً يسمح باكتشاف التلوث قبل وصوله إلى السقف المحدد. تتكون أداة الفحص من مجموعة معدات يمكن حملها في حقيبة صغيرة.

ويضيف الفني قطرات من عينة المياه المشتبه في تلوثها إلى أنبوب اختبار يحتوي على معلق سائل من المادة الكاشفة، ثم يعرض الأنبوب لضوء صادر من مصباح يدوي محمول يعمل بالأشعة فوق البنفسجية. وبعد ذلك تلتقط كاميرا الهاتف صورة للأنبوب تحت الإضاءة المحددة. يتولى تطبيق رقمي تحليل نظام الألوان الأساسية في الصورة، مع التركيز على النسبة الرياضية بين اللونين الأخضر والأحمر.

ويترجم التطبيق التغير في هذه النسبة إلى قيمة محددة لتركيز اليورانيوم، تظهر على شاشة الهاتف خلال وقت قصير. ولا يعتمد القياس بذلك على شدة لون واحد، بل على العلاقة بين تراجع الضوء الأحمر وازدياد الضوء الأخضر عند وجود اليورانيل.

المادة الكاشفة تحوّل التفاعل إلى إشارتين ضوئيتين

وشرح قاسم أن الجزيء العضوي المستخدم في المادة، وهو حمض البيروميليتيك، يعمل مستشعراً يمتص الأشعة فوق البنفسجية وينقل طاقتها إلى أيونات اليوروبيوم، فتنتج عنها إضاءة حمراء عند طول موجي يبلغ 616 نانومتراً. وعندما يرتبط اليورانيل بمجموعات الكربوكسيل الموجودة في الجزيء، يتعطل مسار انتقال الطاقة، فتخفت الإشارة الحمراء.

وفي الوقت نفسه، تظهر إضاءة خضراء عند طول موجي يبلغ 513 نانومتراً، ويعزو الباحثون ذلك إلى انتقال الشحنة من الجزيء العضوي إلى اليورانيوم. ويسمح ظهور الإشارتين في اتجاهين متعاكسين ببناء قياس نسبي: فكلما ارتفع تركيز اليورانيل، تراجعت شدة الأحمر وازدادت شدة الأخضر، ثم يحسب التطبيق حاصل قسمة الإشارة الخضراء على الحمراء.

تعتمد المادة الكاشفة على شبكة هجينة تضم فلز الزنك وعنصر اليوروبيوم، وهو من العناصر الأرضية النادرة المعروفة بانبعاثها الضوئي، إلى جانب جزيئات عضوية رابطة. وبيّن قاسم أن الزنك لا يتوهج ولا يرتبط باليورانيوم مباشرة، لكنه يؤدي دوراً بنيوياً في تشكيل المادة وتنظيمها، في حين يوفر اليوروبيوم الإشارة الضوئية اللازمة للقياس.

وأوضح أن مادة الزنك منفردة تتخذ صورة صفائح متراكمة، بينما يشكل اليوروبيوم وحده كتلاً غير منتظمة. أما مزج العنصرين فينتج كرات متجانسة يبلغ قطرها نحو 0.5 ميكرومتر، وتضم مسام منتظمة بمساحة سطحية قدرها 69 متراً مربعاً لكل غرام.

ويساعد هذا التنظيم المادة على التوزع في الماء بصورة قابلة للتكرار وموثوقة، وهو شرط أساسي لإجراء قياسات كمية. وأظهرت المادة الثنائية كذلك توهجاً أحمر أقوى بوضوح، مع عمر ضوئي قدره 278 ميكروثانية، وهو أطول من العمر المسجل في مادة اليوروبيوم وحدها، ما يشير إلى فقد أقل للطاقة.

وتختلف هذه الآلية عن المجسات التقليدية التي تقيس شدة لون منفرد، إذ يمكن أن تتأثر تلك الشدة بكمية المادة المضافة وعكارة الماء وتذبذب المصباح، حتى من دون تغير تركيز اليورانيوم. أما في المنظومة الجديدة، فتقاس الإشارتان من الجسيم نفسه. وإذا ضعفت إضاءة المصباح، على سبيل المثال، تنخفض شدة اللونين معاً بينما تظل النسبة بينهما مستقرة تقريباً.

كما تقلل المقارنة النسبية أثر اختلاف زاوية التصوير أو الإضاءة المحيطة، لتوفر نوعاً من المعايرة الذاتية وتحسن ثبات النتائج مقارنة بقياس وميض لوني واحد. واختبر الباحثون قدرة المستشعر على العمل في وجود أيونات شائعة في المياه الطبيعية والصناعية.

الأملاح والكربونات تكشف حدود القياس الميداني

وقال قاسم إن الإشارة لم تتأثر بدرجة كبيرة بالصوديوم والكالسيوم والمغنيسيوم، ولا حتى بالثوريوم. لكن النتائج كشفت عن تداخلات مهمة عند خلط اليورانيل مع أيونات أخرى بتركيز يعادل ثلاثة أضعاف تركيزه. وخفضت الكربونات والبيكربونات والكبريتيد واليوديد الإشارة بنسبة تراوحت بين 30 و50%.

واعتبر قاسم هذا التأثير نقطة جوهرية، لأن الكربونات موجودة بوفرة في المياه الطبيعية ومياه البحر وترتبط بأيون اليورانيل بقوة، ما قد يؤثر في استجابة الكاشف ويستدعي مراعاة تركيب العينة عند تفسير القياسات الميدانية. وشملت التجارب عينات واقعية جمعت من بحيرات طبيعية ومياه بحرية، ثم دعمت بتركيزات مدروسة من اليورانيوم.

95%
دقة تحديد كميات الملوث

وتمكنت المنظومة من تحديد كميات الملوث بدقة تجاوزت 95%، مع هوامش خطأ إحصائي وُصفت بأنها ضئيلة للغاية، في مؤشر إلى إمكانية توظيف المبدأ خارج المحاليل المخبرية المبسطة بعد استكمال مراحل التطوير والتحقق. ومع ذلك، ما زالت التقنية نموذجاً أولياً يحتاج إلى مزيد من التطوير قبل طرحه تجارياً أو اعتماده على نطاق ميداني واسع.

وتحقق المنظومة أفضل دقة في وسط متعادل تبلغ درجة حموضته نحو سبع درجات، ولذلك قد يتطلب فحص مياه الصرف شديدة الحموضة أو القلوية إجراء ضبط أولي سريع لدرجة حموضة العينة قبل خلطها بالمادة الكاشفة. ويمثل استخدام اليوروبيوم تحدياً آخر بسبب كلفة التصنيع، ما يفرض البحث عن بدائل اقتصادية.

كما تحتاج المنظومة إلى اختبارات إضافية لتقييم ثبات القياس تحت أشعة الشمس المباشرة وفي البيئات التي تضم خليطاً معقداً من الملوثات الكيميائية.

وإذا عولجت هذه القيود، فقد توفر التقنية وسيلة محمولة لفرق السلامة البيئية والمجتمعات القريبة من المنشآت الصناعية لمراقبة جودة المياه بصورة فورية.