أعاد قرار حارس منتخب جمهورية أيرلندا ونادي بولتون واندررز، غافين بازونو، الامتناع عن خوض مباراة أمام إسرائيل لأسباب أخلاقية، تسليط الضوء على ثمانية مواقف بارزة تجاوزت فيها كرة القدم حدود المنافسة الرياضية، واختار خلالها لاعبون وفرق ومنتخبات الدفاع عن قضايا إنسانية وسياسية، رغم ما ترتب على ذلك من خسائر وعقوبات وضغوط إعلامية.
حظيت مباراة أيرلندا وإسرائيل في دوري الأمم الأوروبية باهتمام جماهيري وسياسي واسع منذ إجراء القرعة في فبراير/شباط الماضي. وجاء ذلك في ظل التضامن الشعبي الأيرلندي التاريخي مع الفلسطينيين، إلى جانب مطالبات بمقاطعة اللقاء على خلفية المجازر في غزة. ولم يؤد نقل المباراة إلى أرض محايدة في صربيا إلى تغيير موقف بازونو.
وأعلن الحارس الأيرلندي انسحابه من المواجهة، موضحاً في بيان رسمي أن تمثيل بلاده يحمل قيمة كبيرة بالنسبة إليه، لكن قناعته الأخلاقية تمنعه من المشاركة في ظل قتل الأبرياء.
برايتنر يقاطع مونديال الأرجنتين
وشدد على أن قراره نابع من رفضه الفظائع المرتكبة في المنطقة، مقدماً موقفه الأخلاقي على فرصة ارتداء قميص المنتخب في المباراة. ويستحضر هذا القرار موقف لاعب ألمانيا الغربية بول برايتنر من كأس العالم التي استضافتها الأرجنتين عام 1978.
فبينما ارتبط غياب يوهان كرويف عن البطولة طويلاً برواية المقاطعة السياسية، اتضح لاحقاً أنه لم يشارك خوفاً على عائلته بعد تعرضها لمحاولة اختطاف مروعة، في حين اتخذ برايتنر قراراً معلناً بالمقاطعة احتجاجاً على الانتهاكات الإنسانية للمجلس العسكري الذي كان يحكم الأرجنتين.
وكان برايتنر قد سجل هدف الفوز في نهائي كأس العالم 1974، لكنه أصبح اللاعب الوحيد الذي قاطع رسمياً نسخة 1978 لهذا السبب. وبذلك ضحى بالمشاركة في أبرز بطولات كرة القدم الدولية، معبراً عن رفضه سجل السلطة العسكرية الأرجنتينية في مجال حقوق الإنسان. وفي بريطانيا، ارتبط اسم اللاعب الأيرلندي جيمس ماكلين بمواقف أثارت هجمات إعلامية متكررة.
ماكلين يرفض رمز تخليد ضحايا الحروب
فقد دأب على رفض ارتداء شعار «زهرة الخشخاش»، المستخدم لتكريم ضحايا الحروب، مستنداً في موقفه إلى نشأته في مدينة ديري، التي شهدت إطلاق جنود بريطانيين النار على مدنيين عزل في مجزرة «الأحد الدامي».
وواصل ماكلين التعبير عن موقفه خلال مباراة ودية لفريقه السابق وست بروميتش ألبيون في الولايات المتحدة عام 2015، إذ أدار ظهره أثناء عزف النشيد الوطني البريطاني «حفظ الله الملكة». وعرضه ذلك لحملات انتقاد إعلامية شديدة، لكنه ظل متمسكاً بخياراته المرتبطة بذاكرة مدينته وتجربتها التاريخية.
عقوبة قاسية بحق اللاعب الإيراني آزاداني
أما المدافع الإيراني أمير نصر آزاداني، الذي سبق له اللعب في الدوري المحترف، فيقضي عقوبة بالسجن لمدة 26 عاماً بسبب مشاركته في الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت عقب وفاة الشابة مهسا أميني. وتمثل حالته واحداً من أشد الأمثلة خطورة على الثمن الذي دفعه لاعب كرة قدم نتيجة موقف مرتبط بالحريات وحقوق المرأة.
وأصدر الاتحاد الدولي للاعبي كرة القدم المحترفين «فيفبرو» بياناً قال فيه إنه يشعر «بالصدمة والاشمئزاز» إزاء تقارير تحدثت عن احتمال إعدام آزاداني لمجرد دفاعه عن حقوق المرأة والحريات الأساسية. وأعلن الاتحاد تضامنه الكامل مع اللاعب الإيراني، مطالباً بإلغاء عقوبته فوراً.
بواتينغ يوقف مباراة بسبب هتافات عنصرية
وفي مواجهة العنصرية داخل الملاعب، سجل الغاني كيفن برينس بواتينغ موقفاً بارزاً عام 2013 عندما كان لاعباً في صفوف آي سي ميلان الإيطالي. وخلال مباراة أمام برو باتريا، تعرض لهتافات عنصرية متواصلة من مشجعي الفريق المنافس، فقرر إيقاف اللعب والتقط الكرة قبل أن يركلها بقوة باتجاه المدرجات ويغادر أرض الملعب.
وتضامن قائد ميلان ماسيمو أمبروزيني وبقية زملاء بواتينغ معه، فتوجهوا خلفه إلى غرفة الملابس، وانتهى الأمر بإلغاء المباراة رسمياً. وعلق اللاعب الغاني لاحقاً عبر حسابه قائلاً إن استمرار مثل هذه التصرفات أمر مؤسف، ودعا إلى وقف العنصرية إلى الأبد.
ولم تقتصر المواقف الاحتجاجية على القضايا القومية والعنصرية، إذ استخدم مهاجم ليفربول السابق روبي فاولر مباراة فريقه أمام بران النرويجي في كأس الكؤوس الأوروبية عام 1997 لإعلان دعمه لـ500 عامل من عمال موانئ ليفربول، كانوا قد فُصلوا تعسفياً عقب إضراب عمالي استمر أكثر من عامين.
فقد توقفت المواجهة بعدما اتُهم الحكم الرابع سيباستيان كولتيسكو باستخدام عبارة عنصرية في حق بيير ويبو، المدرب المساعد للفريق التركي. وانسحب لاعبو باشاك شهير من أرض الملعب احتجاجاً، قبل أن ينضم إليهم لاعبو باريس سان جيرمان ويغادروا بدورهم تضامناً مع منافسيهم.
ووصف بيارا بوار، المدير التنفيذي لمنظمة «كرة القدم ضد العنصرية»، المشهد بأنه جديد كلياً، مؤكداً أن انسحاب لاعبين دعماً لخصومهم في أكبر بطولة عالمية للأندية حمل رسالة لا يمكن التقليل من أهميتها.
ويعود أحد أقدم هذه المواقف إلى الاتحاد السوفياتي، الذي كان يمتلك واحداً من أقوى أجيال كرة القدم خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لكنه تخلى عن فرصة التأهل إلى كأس العالم 1974 عندما رفض السفر لمواجهة تشيلي في إياب الملحق العالمي.
واتُخذ القرار بعد أسبوعين من الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال أوغستو بينوشيه، بعدما تحول الملعب الوطني في سانتياغو إلى معتقل ومكان لإعدام معارضين يساريين. وطالب السوفيات بنقل اللقاء إلى ملعب محايد، لكن الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» رفض الطلب، فأعلنوا المقاطعة. وأقيمت المباراة بصورة شكلية، وسجلت تشيلي هدفاً في مرمى خال لتنتهي المواجهة.