قرر رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الاثنين، حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة في نهاية الشهر المقبل، في محاولة لتجاوز حالة التعثر التي تواجه حكومته داخل البرلمان. وجاء القرار على وقع احتجاجات شعبية مرتبطة بأزمة الإسكان، وسط تقديرات ترى أنه يمثل مقامرة سياسية قد تفتح الطريق أمام اليمين للوصول إلى الحكم.
استقطاب برلماني يسبق الانتخابات المبكرة
وتدخل إسبانيا الانتخابات وسط جدل بشأن حصيلة ولاية سانشيز، الذي يتولى رئاسة الحكومة منذ عام 2018، وفي ظل استقطاب حاد بين اليمين واليسار وانقسامات برلمانية أثرت في قدرة الائتلاف الحاكم على تنفيذ سياساته.
ولم تتمكن الحكومة، التي لا تملك الأغلبية اللازمة، من تمرير مرسومين تشريعيين متعلقين بأزمة الإسكان، بعد سلسلة من المصاعب السياسية التي قيدت تحركاتها. وكان سانشيز قد نجح في مراحل سابقة في تجاوز أزمات سياسية مماثلة من خلال بناء تحالفات مع قوى مختلفة التوجهات.
غير أن العودة إلى صناديق الاقتراع باتت بالنسبة إليه وسيلة للبحث عن تفويض شعبي جديد، يمنحه أغلبية تساعده على تطبيق خيارات حكومته السياسية والاقتصادية وإنهاء اعتمادها المستمر على تفاهمات برلمانية متغيرة. وتشير استطلاعات للرأي إلى أن الاقتراع المبكر قد يمنح الحزب الشعبي المحافظ فرصة لزيادة عدد مقاعده، بما قد يتيح له تشكيل ائتلاف حكومي مع حزب «فوكس» اليميني المتشدد.
توقعات بتحالف يميني بعد الاقتراع
وفي حال مشاركة «فوكس» في الحكومة، ستكون تلك المرة الأولى التي يدخل فيها الحكم منذ عهد الجنرال فرانثيسكو فرانكو. وقال الكاتب والمحلل السياسي رامون غونزاليس فيريز إن سانشيز اختار إنهاء المعاناة السياسية التي عاشها خلال السنوات الثلاث الماضية نتيجة فقدانه الأغلبية البرلمانية.
ورأى أن اليمين كان صاحب الكلمة العليا داخل البرلمان، مما دفع رئيس الحكومة إلى البحث عن مخرج لا يخص مستقبله السياسي وحده، بل يشمل أيضا مصير الائتلاف الحاكم. وأضاف فيريز أن حكومة سانشيز لم تتمكن خلال ثماني سنوات من إيجاد حل لمشكلة المهاجرين، كما فتحت المجال أمام الأجانب للاستثمار على نطاق واسع في قطاع العقارات، وهو ما اعتبر أنه جاء على حساب الإسبان.
وربط بين هذه السياسات وبين تفاقم الضغوط في سوق السكن، التي أصبحت إحدى أبرز القضايا المؤثرة في المشهد الانتخابي. وأوضح أن إسبانيا عرفت سابقا ما سمي بالفقاعة العقارية، حين شُيدت منازل كثيرة لم تجد من يسكنها، مما أدى إلى انخفاض الإيجارات بدرجة كبيرة.
وقال إن الهجرة أضافت لاحقا مليون عائلة جديدة، وهو ما أسهم في ارتفاع الإيجارات، بينما أصبح الإسبان يخشون بناء المساكن أو امتلاكها بسبب ارتفاع الضرائب، في وقت لم تنجح فيه الحكومة في إرضاء الملاك أو المستأجرين. وعن ملامح الحكومة المقبلة، استبعد فيريز أن يدخل الحزب الشعبي في تحالف مباشر مع «فوكس»، معتبرا أن الحزب اليميني المتطرف لن يقبل المشاركة في أي حكومة من دون مساومات.
لكنه أوضح أن ذلك لا يمنع الحزبين من مساندة بعضهما بعضا في مواجهة اليسار، بسبب اتفاقهما على ملفات من بينها الهجرة والعلاقة مع الحكومات المطالبة بالاستقلال، مثل حكومة كتالونيا. ومع ذلك، استبعد تشكيل حكومة يمينية خالصة في نهاية المطاف.
خلاف المحللين حول دوافع سانشيز
وفي المقابل، رأى الباحث السياسي ريكاردو غاييد أن أزمة الإسكان ليست السبب الحقيقي وراء الدعوة إلى الانتخابات المبكرة. وقال إن أزمة المهاجرين والتطورات التي شهدتها مدينة سبتة قبل أشهر قليلة دفعت سانشيز إلى البحث عن أغلبية حقيقية، معتبرا أن رئيس الحكومة وضع ملف السكن في الواجهة لأنه يحقق له مصلحة حزبية.
وبحسب غاييد، يتوقع سانشيز الحصول على أغلبية كبيرة في الانتخابات المقبلة، لكنه استبعد أن ينجح في تحقيق هذا الهدف، في ظل احتمالات أن يسجل اليمين فوزا واسعا على اليسار. ويعكس هذا التقدير حجم المخاطرة التي ينطوي عليها قرار حل البرلمان، إذ قد تؤدي الانتخابات إلى نتيجة مغايرة لما يسعى إليه رئيس الحكومة وائتلافه.
الانتخابات تختبر السياسة الخارجية الإسبانية
ويمتد الجدل بشأن نتائج الاقتراع إلى مستقبل السياسة الخارجية الإسبانية. فقد برزت حكومة سانشيز بمواقفها المعارضة للسياسات الإسرائيلية، ولا سيما بعد الحرب التي شنتها حكومة بنيامين نتنياهو على قطاع غزة، وهي مواقف أسهمت في توتر العلاقات بين مدريد وواشنطن.
واستبعد فيريز حدوث تحول جذري في السياسة الخارجية إذا تشكلت حكومة يمينية، رغم أن الحزب الشعبي يتبنى مواقف داعمة لإسرائيل، بينما يذهب «فوكس» إلى مدى أبعد في دعمه لها. وأرجع ذلك إلى ميل المزاج الشعبي الإسباني نحو فلسطين، متوقعا أن يقتصر التغيير المحتمل على خطوات ترمي إلى إرضاء الرئيس دونالد ترمب، ومؤكدا أن إسرائيل «فقدت مكانتها عند الشعب الإسباني».
لو تغيرت الحكومة سيتغير الموقف الإسباني الخارجي وخاصة في قضية فلسطين، لأن حزب
أما أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جنيف الدكتور حسني عبيدي، فاعتبر أن سانشيز اتخذ خطوة استباقية، إذ لم يتبق على موعد الانتخابات العادية سوى ستة أشهر. وربط القرار بسياقات داخلية لا خارجية، مشيرا إلى الانتقادات التي واجهها رئيس الحكومة بسبب ملف الهجرة وقضية سبتة.
ووصف عبيدي الدعوة إلى الاقتراع المبكر بأنها مقامرة سياسية هدفها تأمين أغلبية ساحقة. وقال إنه إذا نجح اليمين في تشكيل حكومة ائتلافية «فسنكون إزاء عودة قوية لليمين في أوروبا عموما، وهذا يعني تغيرا في السياسات الخارجية».
وأشار عبيدي إلى أن تقارير صندوق النقد الدولي تفيد بأن حكومة سانشيز سجلت نموا قدره 2.1%، بخلاف حكومات أوروبية أخرى، وهو عامل قد يؤدي، في تقديره، إلى إخفاق اليمين في الفوز بالانتخابات.
ومع ذلك، لا يتوقع عبيدي حدوث تغير جذري في السياسة الخارجية الإسبانية حتى إذا أفضى الاقتراع إلى تشكيل حكومة يمينية.