العودة للرئيسية
تكنولوجيا

ساعة نووية تضبط ترددها ذاتياً باستخدام نواة الثوريوم-229

نجح فريق دولي في تشغيل ساعة نووية بصرية تستخدم انتقالاً طاقياً داخل نواة الثوريوم-229 مرجعاً لتثبيت تردد الليزر وتصحيح انحرافه تلقائياً. وعملت الساعة نحو يوم متواصل، كما استُخدمت لمقارنة ترددها بساعة إيتربيوم والبحث عن آثار محتملة للمادة المظلمة.

•4 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
لقطة مقرّبة لجهاز بصري وتجريبي يحتوي على مصدر ضوء أزرق داخل غرفة أو حجرة معدنية، في إطار أبحاث الساعة النووية باستخدام نواة الثوريوم-229.

شغّل فريق بحثي دولي ساعة نووية بصرية تعتمد على انتقال طاقي داخل نواة نظير الثوريوم-229، وتمكنت الساعة من مراقبة تردد الليزر وتصحيح انحرافه بصورة مستمرة. ويمثل ذلك انتقالاً من قياس الظاهرة النووية داخل المختبر إلى استخدامها مرجعاً فعلياً لضبط الساعة، بما قد يدعم تطوير أدوات أدق لقياس الزمن واختبار القوانين الأساسية للطبيعة والبحث عن المادة المظلمة.

تثبيت تردد الليزر بالانتقال النووي

وأعلن الباحثون في دراسة نُشرت يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026 في دورية «نيتشر» أنهم نجحوا في تثبيت تردد ليزر باستمرار على الانتقال الطاقي داخل نواة الثوريوم.

وعندما يبدأ تردد الليزر بالابتعاد عن التردد الصحيح، ترصد الساعة ذلك الانحراف وتصححه تلقائياً، لتصبح النواة نفسها المرجع الذي يحافظ على استقرار النظام.

وقال لوكا توسكاني دي كول، طالب الدكتوراه في الفيزياء بجامعة فيينا التقنية والمؤلف الأول المشارك للدراسة، إن النقلة الأساسية تكمن في تحويل انتقال الثوريوم النووي من ظاهرة قابلة للقياس في المختبر إلى مرجع يعمل فعلياً داخل ساعة تستطيع مراقبة ترددها وتصحيحه بشكل مستمر. وتتشابه الفكرة من حيث المبدأ مع آلية الساعات الذرية التقليدية، إلا أن الأخيرة تعتمد على انتقال الإلكترونات بين مستويات مختلفة من الطاقة داخل الذرة.

لماذا اختير الثوريوم-229 للساعة النووية

أما الساعة الجديدة فتستخدم انتقالاً نادراً يقع داخل نواة الثوريوم-229، عند طول موجي يبلغ 148 نانومتراً. واختار الفريق هذا النظير لأن الانتقال داخل نواته يتميز بطاقة منخفضة بصورة استثنائية، ما يجعله قابلاً للوصول باستخدام الليزر.

كما أن نواة الذرة أقل تأثراً ببعض الاضطرابات الخارجية مقارنة بالإلكترونات، فضلاً عن أن تصميم الساعة يسمح بوضع أعداد هائلة من نوى الثوريوم داخل بلورة صغيرة بدلاً من الاعتماد على ذرة أو أيون منفرد. ووضع الباحثون نوى الثوريوم داخل بلورة صغيرة من فلوريد الكالسيوم تعمل في درجة حرارة الغرفة، ثم مرروا عبرها ليزراً من الأشعة فوق البنفسجية العميقة.

وعند ابتعاد تردد الليزر عن تردد الانتقال النووي، تتغير استجابة النوى الموجودة في البلورة، وتستخدم الساعة الإشارة الناتجة لإعادة الليزر تلقائياً إلى التردد الصحيح. وللتحقق من أداء النظام، قارن الفريق الساعة النووية بساعة بصرية أخرى تعتمد على أيون الإيتربيوم.

اختبار الاستقرار بمقارنة ساعة الإيتربيوم

جزء واحد في ألف تريليون
عدم استقرار تردد الساعة بعد يوم

واستمرت ساعة الثوريوم في العمل بصورة متواصلة لنحو يوم، وبلغ عدم استقرار ترددها بعد هذه المدة قرابة جزء واحد في ألف تريليون. وأوضح توسكاني دي كول أن هذه النتيجة لا تعني أن الساعة الجديدة أصبحت أدق من أفضل الساعات الذرية المتاحة حالياً.

لكنه أشار إلى أن الإنجاز يتمثل في استخدام النواة، للمرة الأولى، مرجعاً فعلياً داخل ساعة نووية تعمل بنظام تصحيح مستمر، بدلاً من الاكتفاء برصد الانتقال النووي وقياسه خارج نظام ساعة متكامل. واستخدم الباحثون الساعة أيضاً في اختبار احتمالات مرتبطة بالمادة المظلمة.

البحث عن إشارات المادة المظلمة بالساعتين النوويتين

ووفق توسكاني دي كول، تفترض بعض النظريات وجود جسيمات أو حقول فائقة الخفة يمكنها إحداث تغيرات دورية متناهية الصغر في الثوابت الأساسية للطبيعة، وقد تظهر هذه التغيرات على هيئة اهتزاز طفيف في تردد الساعة. وقارن الفريق تردد ساعة الثوريوم بتردد ساعة الإيتربيوم على مدى زمني قارب 23 ساعة، بحثاً عن تغيرات دورية تتراوح مدتها بين نحو 20 ثانية ويوم واحد.

ولم تسفر المقارنة عن إشارة ذات دلالة إحصائية على وجود المادة المظلمة، إلا أن غياب الإشارة أتاح للباحثين وضع حدود جديدة لقوة تفاعل بعض الأشكال المفترضة من المادة المظلمة مع المادة العادية. وأظهرت النتائج أن ساعة الثوريوم باتت قادرة على منافسة بعض أفضل الساعات الذرية في الاختبارات المتعلقة بتفاعل المادة المظلمة مع الضوء.

وفي سيناريوهات معينة ترتبط بالقوة النووية الشديدة وكتل الكواركات، حسّنت القياسات الحدود السابقة بنحو 100 إلى 1000 مرة. ولا تزال الساعة في مرحلة مبكرة من التطوير، إذ وجد الباحثون أن القياسات المنفذة في أيام مختلفة لا تتكرر بالدقة نفسها.

ويرجح الفريق أن يعود ذلك إلى اختلافات مجهرية داخل البلورة يمكنها تغيير تردد الانتقال النووي بمقادير صغيرة. كما اقتصرت تجربة البحث عن المادة المظلمة على مدة تقل عن يوم، وهو ما يحصر قدرتها في اختبار التغيرات الواقعة ضمن النطاق الزمني الذي شملته المقارنة.

ويتوقع الباحثون أن يؤدي تحسين الليزر ورفع جودة البلورات المستخدمة إلى زيادة أداء الساعة بدرجة كبيرة مستقبلاً.