توسّع أوكرانيا استخدام الحرب الإلكترونية في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة الروسية، مستعينة بنظام يحمل اسم «ليما» لبث إشارات ملاحية زائفة وإرباك مسارات الأسلحة المهاجمة، في وقت تتسابق فيه الولايات المتحدة وروسيا والصين على تطوير قدراتها في ما بات يعرف بـ«حرب الطيف».
صاروخان روسيان سقطا بعد تضليل مسارهما
وفي وقت سابق من العام، اتجه صاروخان باليستيان روسيان بسرعة تفوق سرعة الصوت نحو موقع حكومي مهم في العاصمة الأوكرانية كييف، لكنهما سقطا في نهر دنيبرو بعد تعرضهما لإشارات إلكترونية أربكت مساريهما، وفق رواية وحدة أوكرانية متخصصة في الحرب الإلكترونية تعرف باسم «نايت ووتش».
وتزامنت الواقعة تقريباً مع ظهور مواقع جغرافية غير صحيحة على تطبيقات الملاحة في هواتف عدد من سكان كييف، إذ أظهرت التطبيقات أنهم موجودون في بيرو. واعتبرت الوحدة الأوكرانية ذلك أحد آثار عمليات التشويش التي نفذتها باستخدام نظام «ليما» خلال التصدي للهجوم.
وقال ضابط في الوحدة يُعرف باسم «الخيميائي» إن «ليما» يستطيع بث إشارات لمسافة تقارب 193 كيلومتراً، بما يتيح التشويش على الطائرات المسيّرة والصواريخ والقنابل الموجهة. وبحسب رواية الوحدة، استُخدم النظام ضد الصاروخين الباليستيين عبر إرسال بيانات ملاحية زائفة غيّرت مساريهما وأدت إلى سقوطهما في النهر.
الخداع الإلكتروني يستبدل إشارات الملاحة
وتُعرف هذه التقنية باسم «الخداع الإلكتروني»، أو Spoofing، وتقوم على إحلال إشارة مضللة محل الإشارة التي يعتمد عليها السلاح في تحديد موقعه أو وجهته، بدلاً من الاكتفاء بإغراق الاتصال بإشارات قوية تعطل قدرته على العمل. وفي نوفمبر الماضي، أعلنت «نايت ووتش» اعتراض صاروخ روسي فرط صوتي من طراز «كينجال»، سبق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن وصفه بأنه سلاح لا يمكن إيقافه.
وقال ضباط الوحدة إن «ليما» وجّه إشارة ملاحية زائفة نحو الصاروخ، فغيّر مساره ثم تفكك تحت تأثير السرعة الهائلة التي كان يتحرك بها. ولا تعلن أوكرانيا نسبة الصواريخ والمسيّرات التي تسقط نتيجة عمليات الحرب الإلكترونية مقارنة بالأسلحة التي تفشل بسبب أعطال تقنية أخرى.
كما يصعب في بعض الحالات الفصل بين السببين، وقد يؤدي التشويش إلى تحويل هدف عن مساره بصورة غير مقصودة. ويقر ضباط أوكرانيون أيضاً بأن بعض عمليات التشويش قد تؤثر أحياناً في الطائرات المسيّرة الأوكرانية نفسها.
أوكرانيا تقيس أثر التشويش على المسيّرات
وأضافت الشركة أنها تحققت من النتائج عبر اعتراض إشارات الفيديو التي كانت تبثها تلك الطائرات. ويتجلى تصاعد الاعتماد الأوكراني على هذه القدرات في نمو الطلب على الأنظمة المستخدمة في الخطوط الأمامية وعلى المديات البعيدة. فشركة «ديسمبر 1» الأوكرانية باتت تبيع آلاف الأنظمة شهرياً، بعدما اقتصرت مبيعاتها على عشرات الوحدات فقط خلال عام 2024.
حرب أوكرانيا تعيد الطيف إلى أولويات واشنطن المشهد الدفاعي
ووصف المقدم مات شيربورن، المسؤول في الجيش الأميركي عن تطوير قدرات الحرب الإلكترونية، المرحلة الراهنة بأنها «عصر جديد من حرب الطيف». ويشير هذا الوصف إلى اتساع المواجهة التي تدور حول اكتشاف ترددات الخصم وتعطيلها، بالتوازي مع حماية الإشارات الصديقة من التشويش أو التضليل.
ولا تعد الحرب الإلكترونية مجالاً عسكرياً جديداً، لكنها تراجعت على قائمة أولويات الدول الغربية بعد انتهاء الحرب الباردة. وأعادت الحرب الروسية على أوكرانيا هذا النوع من القدرات إلى الواجهة، خصوصاً بعدما أصبحت الطائرات المسيّرة سلاحاً رئيسياً في العمليات القتالية.
وتعتمد أدوات الحرب الإلكترونية بصورة أساسية على رصد الترددات التي يستخدمها الطرف المقابل، ثم تعطيلها أو استبدالها بإشارات مضللة. ويمكن تنفيذ ذلك ببث إشارات شديدة القوة لإغراق اتصالات الخصم، أو إرباك البيانات التي يستقبلها، إلى جانب تطوير وسائل لحماية الاتصالات والملاحة الخاصة بالقوات الصديقة. ودفعت التجربة الأوكرانية الولايات المتحدة إلى إعادة تقويم جاهزيتها في هذا المجال.
ووصف مسؤولون أميركيون الحرب في أوكرانيا بأنها كانت بمثابة «جرس إنذار» لوزارة الدفاع الأميركية، التي وضعت الحرب الإلكترونية ضمن أولويات الإنفاق الدفاعي لمواجهة تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وبالتوازي، تعمل الصين على توسيع إمكاناتها في المجال نفسه، بينما أصبحت «حرب الطيف» قطاعاً مهماً أمام شركات الصناعات الدفاعية الغربية. وتشمل المشروعات التي تطورها تلك الشركات طائرات مسيّرة تستطيع رصد الانبعاثات الإلكترونية، وأنظمة قادرة على تضليل الرادارات، ووسائل خداع إلكتروني مخصصة لمواجهة الصواريخ والطوربيدات.
وفي الجهة المقابلة، يجري تطوير تقنيات تساعد على تجاوز التشويش، من بينها الاتصالات الليزرية بين السفن، والطائرات المسيّرة التي ترتبط بمشغليها بواسطة كابلات الألياف الضوئية. ويشمل ذلك أيضاً مسيّرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مصممة للتعرف على الأهداف ومهاجمتها من دون الحاجة إلى اتصال متواصل مع الطيار.
لكن البدائل المطروحة تواجه بدورها قيوداً تشغيلية. فالاتصال بالليزر يعمل ضمن مسافات محدودة ويتأثر بأحوال الطقس، في حين تكون المسيّرات المتصلة بكابلات الألياف الضوئية أبطأ وأقل قدرة على المناورة. ولا يزال الذكاء الاصطناعي بحاجة إلى مزيد من التطوير قبل أن تستطيع المسيّرات التحرك بصورة موثوقة عبر مسافات طويلة من دون تدخل بشري.