ربط محللون إمكان وقف الحرب في السودان بممارسة ضغط فعلي على الجيش السوداني وقوات الدعم السريع والجهات الخارجية الداعمة لهما، بما يؤدي إلى وقف إمدادات السلاح وتهيئة الظروف لهدن إنسانية ومسار سياسي. ويأتي ذلك في ظل تعثر المبادرات المطروحة، وتمسك كل طرف بإمكان تحقيق الحسم العسكري وفرض شروطه على أي تسوية مستقبلية.
تعثر المبادرات وتداخل المصالح الخارجية
وتعددت المبادرات السياسية الرامية إلى معالجة الأزمة منذ اندلاع القتال في أبريل/نيسان 2023، من دون أن تقود إلى حل ينهي الحرب التي تسببت في وضع إنساني تصفه الأمم المتحدة بأنه من بين الأسوأ عالميا. ويقول محللون إن تشابك التطورات الميدانية والكارثة الإنسانية مع مصالح دول إقليمية وأجنبية يجعل التوصل إلى تسوية قريبة أمرا بعيد المنال.
ويتمسك الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بخطاب يقوم على القدرة على الحسم، رغم عدم امتلاك أي منهما سيطرة ميدانية تتيح له فرض شروطه منفردا. كما يرى محللون أن الطرفين لم يعودا قادرين على اتخاذ قرار مستقل بشأن مواصلة القتال أو وقفه، بسبب اعتمادهما على داعمين خارجيين وما يتلقيانه من إسناد يسمح باستمرار الحرب.
ويشترط الجيش استبعاد قوات الدعم السريع من أي معادلة سياسية أو عسكرية مستقبلية، ويرفض منحها مقعدا في مفاوضات محتملة أو التعامل معها بوصفها طرفا مساويا له. وأسهم هذا الموقف، إلى جانب شروط الطرف الآخر ومحاولات الطرفين تعزيز مواقعهما الميدانية، في إبقاء المسارات السياسية من دون تقدم ملموس.
وفي موازاة الجمود السياسي، صوّت مجلس الأمن الدولي بالإجماع على تمديد العقوبات المفروضة على السودان لمدة شهرين إضافيين. ويطرح استمرار العقوبات بالتزامن مع اتساع رقعة المعارك تساؤلات بشأن قدرة الضغوط الدولية الحالية على تغيير حسابات الأطراف المتحاربة والجهات التي توفر لها الدعم.
خريطة السيطرة تمنع الحسم العسكري
وعلى الأرض، تسيطر قوات الدعم السريع على ولايات دارفور الخمس، باستثناء أجزاء من ولايتي شمال دارفور وغرب دارفور، في حين يفرض الجيش نفوذه على معظم الولايات الـ13 الأخرى، ومن بينها العاصمة الخرطوم. ولا تمنح خريطة السيطرة الحالية أيا من الطرفين تفوقا يسمح له بإنهاء الحرب عسكريا أو فرض تسوية وفق شروطه وحده.
وتفاقمت الاحتياجات الصحية بعدما خرج 37% من المرافق الصحية عن الخدمة، بالتزامن مع انتشار أوبئة من بينها الكوليرا والملاريا. وتضع هذه المؤشرات المدنيين في صدارة المتضررين من استمرار التصعيد العسكري والتشدد السياسي، بينما لا تزال الأطراف المتحاربة تراهن على تحسين مواقعها قبل الانخراط في تسوية.
تورشين يستبعد حلاً عسكرياً للحرب
وقال الكاتب والمحلل السياسي محمد تورشين إنه لا يوجد حل عسكري للحرب في السودان، معتبرا أن قوات الدعم السريع لن تقبل الخروج من أي اتفاق لوقف القتال من دون تحقيق مكاسب عسكرية واقتصادية. ورأى أن هذا الحساب يدفعها إلى التنصل من الدخول في تفاوض فعلي لا يضمن لها دورا أو مكاسب في المرحلة اللاحقة.
واعتبر تورشين أن المبادرة الأميركية هي الأكثر نجاعة في الوقت الراهن، لكنها لا تمنح قوات الدعم السريع دورا في مستقبل البلاد. وفي المقابل، رأى أن الجيش قد يقبل بإبعاد قادته الحاليين واستبدال قادة آخرين من داخل صفوفه بهم، بما يحافظ على وجود المؤسسة العسكرية في الترتيبات المقبلة.
وبحسب تورشين، يعوّل الجيش على حرب الاستنزاف، ويراهن على تعميق الانقسامات داخل قوات الدعم السريع وضم المنشقين عنها إلى صفوفه، وصولا إلى توحيد المؤسسة العسكرية. وأضاف أن الطرفين يسعيان إلى تحقيق مكاسب على الأرض يمكن تحويلها لاحقا إلى مكاسب سياسية عند العودة إلى التفاوض.
وأشار المحلل إلى أن قوة الدعم السريع تراجعت مقارنة بوضعها في بداية الحرب، مرجعا ذلك إلى خبرة الجيش في القتال. لكنه أوضح أن القوات ما زالت تتلقى معدات وتقنيات حديثة، وهو ما يجعل الاستنزاف خيارا أساسيا لدى القوات المسلحة، رغم ما يحمله استمرار هذا النهج من كلفة إنسانية كبيرة.
بيدج تحذر من حرب بالوكالة والدعم الخارجي
من جهتها، قالت الدبلوماسية الأميركية السابقة سوزان بيدج إن طرفي الحرب يدركان صعوبة تحقيق الحسم العسكري، لكنهما يتلقيان دعما يتيح لهما الاستمرار في القتال. ووصفت الصراع بأنه تحول إلى حرب بالوكالة، معتبرة أن أيا من الطرفين لم يعد قادرا على اتخاذ قرار مستقل بعيدا عن داعميه، في حين يتحمل السودانيون الثمن الأكبر.
ورأت بيدج أن الوصول إلى حل سياسي لن يكون سهلا، بسبب صعوبة إرضاء جميع الفاعلين ودفعهم إلى وقف إمدادات السلاح. وقالت إن محاولة التوصل إلى مثل هذا التوافق قد تأتي على حساب الشعب السوداني، مشيرة إلى غياب طرف محايد في الأزمة، بما في ذلك الأمم المتحدة من وجهة نظرها.
وأضافت أنه لا يمكن الحديث عن مفاوضات حقيقية أو وقف للقتال من دون ضغط فعلي يشمل الأطراف المتحاربة والجهات الداعمة لها. وربطت زيادة تعقيد الأزمة بتداخلها مع الصراع في اليمن وما وصفته بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بما وسع دائرة المصالح الإقليمية والدولية المحيطة بالملف السوداني.
وبحسب بيدج، لن يتجه أي من طرفي القتال نحو السلام ما لم يحصل على شرعية خارجية واسعة تتيح له التحدث باسم السودانيين. واعتبرت أن تحقيق ذلك صعب، وأن شعور الطرفين بعدم تكبد خسارة حاسمة يشجعهما على مواصلة الحرب بدلا من تقديم تنازلات تفتح الطريق أمام التسوية.
أما الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية جوناثان أوفاي، فقال إن الحل السياسي يظل ممكنا إذا حظي بدعم مصر وبقية دول الاتحاد الأفريقي والمنظمات الدولية. وربط نجاح هذا المسار بتوفير ضمانات لإجراء محاكمات بعد وقف الحرب، إلى جانب وضع خريطة طريق تنظم مستقبل البلاد والمرحلة التالية للقتال.
واتفق أوفاي مع صعوبة الحسم العسكري، لكنه شدد على أن الحروب لا تستمر إلى الأبد، واقترح البدء بعقد هدن إنسانية تمهد لمسار أوسع. وقال: «لو أُجبر الداعمون على وقف التزويد بالسلاح فسيُجبر طرفا القتال على إيجاد حل». وخلص تورشين إلى أن مفاتيح الحل موجودة لدى الفاعلين الخارجيين أكثر مما هي لدى الطرفين المتحاربين.
وقال إن استخدام الولايات المتحدة نفوذها بجدية، وإلزام الجهات المعنية بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي الذي يحظر توريد السلاح إلى إقليم دارفور، يمكن أن يساهما في إنهاء القتال والتمهيد لترتيبات مستقبلية في السودان.