تفاقمت الأزمات المعيشية في تعز منذ 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعدما أدى إغلاق خط البيرين المؤدي إلى التربة والمناطق الجنوبية وبقية المنافذ إلى عزل المدينة عن إمدادات الوقود والغذاء والدواء والماء، في وقت تستمر فيه المعارك بمحيطها.
وأغلقت محطات المشتقات النفطية أبوابها، بينما ارتفعت أسعار سلع أساسية خلال أربعة أيام فقط، وفق بيانات محلية وشهادات سكان وتجار. ومنذ ساعات الصباح وحتى الظهيرة، ظل الشاب اليمني عمر محمد علي يتنقل على دراجته النارية بحثا عن قارورة بترول تساعده على مواصلة عمله، إذ تمثل الدراجة مصدر رزقه الوحيد.
وقال عمر: "والله إني جالس من الصبح أبحث عن قارورة بترول ما حصلت"، قبل أن يتوقف أمام محطة للمشتقات النفطية في جولة سنان وسط المدينة، ليجد أنها لا تملك الوقود أيضا. وتشهد تعز انعداما للمشتقات النفطية بعد إغلاق جميع المحطات، ولم يبق أمام السكان سوى السوق السوداء التي أصبحت بدورها شبه خاوية ولا تعرض إلا عددا قليلا من القوارير.
ووصل سعر القارورة الصغيرة، البالغة سعتها 750 مليلترا، إلى 4 آلاف ريال يمني بالعملة الجديدة، بينما بلغ سعر لتر الوقود الواحد 6 آلاف ريال. وقال عمر إن الحصول على البترول أصبح صعبا حتى من السوق السوداء، مضيفا: "والله حتى في السوق السوداء البترول معدوم".
وأوضح أنه اشترى قارورة صغيرة لا تكفي لتنفيذ مشوارين بدراجته، وتابع: "أوصل الشخص فيعطيني 700 ريال، الناس ما معاهم فلوس، والبترول غال ومعدوم"، في إشارة إلى الفجوة بين تكلفة تشغيل الدراجة والعائد الذي يحصل عليه من نقل الركاب. ولا تقتصر تداعيات إغلاق الطرق على الوقود، إذ امتدت إلى الخبز والمواد الغذائية والأدوية.
تداعيات إغلاق الطرق على الغذاء والدواء
وفي شارع التحرير، يواصل السكان أنشطتهم اليومية تحت أعباء الحرب وعلى وقع أصوات القذائف. واتهم المواطن محمد التميمي، البالغ 40 عاما، بعض التجار باستغلال الأزمة، قائلا: "نحن نتكلم عن حصار المدينة واستغلال التجار. لقد بدؤوا من أول يوم برفع الأسعار والمشتقات النفطية وفتح السوق السوداء. إنهم تجار أزمات وحروب".
ويقول سكان إنهم متمسكون بالبقاء في المدينة ورافضون دخول جماعة أنصار الله، المعروفة بالحوثيين، إليها، مؤكدين استعدادهم للمقاومة وتحمل تبعات الأزمة. وقال التميمي: "سنناضل رغم الحصار ورغم كل شيء، لكننا صامدون بكل معنى الكلمة. سنناضل حتى 10 سنوات ولن نتنازل ولن نرضخ".
وعبر بسام الوافي، وهو أحد أبناء تعز، عن موقف مماثل بقوله: "والله حتى لو يقطعوا علينا الهواء، فإننا سنظل في تعز صامدين، وسنتقدم على الجمهورية كلها". وتأتي هذه المواقف في ظل استمرار المعارك حول المدينة وتزايد الضغوط الناتجة عن توقف حركة البضائع عبر طرق الإمداد الرئيسية. وتظهر بيانات مكتب الإحصاء في تعز أن عدد سكان المحافظة خلال عام 2026 يقدر بنحو 4 ملايين و477 ألف نسمة.
توزيع سكان تعز وحجم النزوح
ويعيش داخل مدينة تعز 915 ألفا و150 شخصا، منهم 347 ألفا و890 نسمة في مديرية المظفر، و286 ألفا و307 نسمات في مديرية صالة، و280 ألفا و953 نسمة في مديرية القاهرة. ويتوزع نحو 3 ملايين و561 ألفا و850 شخصا على المديريات العشرين الأخرى في المحافظة.
المنافذ المغلقة ومسارات الإمداد
وأوضح علوان أن المنافذ والطرق المغلقة تشمل البيرين والمخا والقصر الحوبان، إلى جانب طريق التربة عدن، وطرق سامع والمسراخ مع الدمنة. ويمتد تأثير الإغلاق إلى مديريات جبل حبشي والشمايتين والمعافر، فضلا عن مديريات مدينة تعز الثلاث، وهي صالة والقاهرة والمظفر، وكذلك الصلو والمواسط والمسراخ وصبر. وانعكس توقف الإمدادات سريعا على أسعار السلع.
وقال علوان إن سعر كيلوغرام البطاطس ارتفع من ألف ريال إلى ألفي ريال، بزيادة بلغت 100%، بينما صعد سعر الدقيق من 38 ألف ريال إلى 57 ألف ريال، بزيادة قدرها 50% خلال أربعة أيام فقط. وأفاد مواطنون بأن سعر كيس دقيق القمح وصل في بعض الأحيان إلى 60 ألف ريال، رغم عدم توفره أساسا، فيما قال تجار إن الثوم مفقود منذ أربعة أيام.
ويؤكد تجار أن إغلاق المنافذ والطرق تسبب في أزمة واسعة، إذ كانت سلع مثل البيض والزبادي والألبان والأجبان والمياه بمختلف أنواعها والمشروبات الغازية تصل عبر المنفذ الشرقي. أما الدقيق والقمح والأرز والسكر فكانت تمر عبر خط التربة عدن، ما جعل إغلاق هذه المسارات يوقف وصول أصناف متعددة من المواد الأساسية إلى الأسواق.
ارتفاع أسعار السلع وتعطل التجارة
وقال تاجر فضل عدم ذكر اسمه إن أي بضائع لم تدخل إلى تعز منذ إغلاق الحوثيين خط البيرين في 4 أكتوبر/تشرين الأول، واصفا إياه بأنه كان آخر خط لإمداد المدينة. وأضاف: "التاجر في عدن يسجل لي البضاعة بنفس السعر الرسمي، لكن كيف ندخلها فالخط مقطوع"، موضحا أن المشكلة تتعلق بتعذر نقل السلع وليس بسعر شرائها من المورد في عدن.
أما أسعار الأدوية، فسجلت حتى الآن ارتفاعا أقل مقارنة بالوقود والمواد الغذائية. وقال أصحاب صيدليات إن الفارق بعد إغلاق المنافذ ظل بسيطا، وإن الزيادة لم تتجاوز 5%.
ومع استمرار قطع الطرق، تتزايد صعوبة الحصول على الاحتياجات اليومية وتتراجع القدرة الشرائية للسكان، بينما يواجه العاملون، ومنهم سائقو الدراجات النارية، ارتفاع تكاليف العمل وتراجع دخلهم في آن واحد.