تصاعدت الدعوات إلى إجراء تحقيق دولي مستقل وشفاف في اتهامات موجهة إلى الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب، وذلك في جلسة حقوقية عُقدت في داكار يوم الجمعة 9 أكتوبر، وناقشت كذلك التدخلات الخارجية والانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين والمسؤولية عن إطالة أمد النزاع.
وجاءت الجلسة ضمن فعاليات بدأت الخميس بافتتاح منتدى المنظمات غير الحكومية المصاحب للدورة، الذي ينظمه المركز الإفريقي للديمقراطية ودراسات حقوق الإنسان، بمشاركة ممثلين عن منظمات المجتمع المدني ومدافعين عن حقوق الإنسان ومؤسسات حقوقية إفريقية. وأعلن المركز تسجيل أكثر من 400 منظمة مشاركة في المنتدى.
وحضر الافتتاح رئيس المفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب إدريسا سو، والمديرة التنفيذية للمركز هانا فوستر، إلى جانب ممثلين عن الحكومة السنغالية، فيما ألقى وزير العدل كلمة الدولة المضيفة. ونظم التحالف الإفريقي «ائتلاف السودان» جلسة خاصة تحت عنوان «تطورات الحرب في السودان»، بحضور حقوقي إفريقي ودولي واسع.
جلسة داكار تبحث التدخلات والانتهاكات في السودان
وتركزت المناقشات على أدوار الجهات الخارجية في الحرب، والانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين، والاتهامات المتعلقة باحتمال استخدام أسلحة كيميائية. وحذر السفير علي بن أبي طالب، مندوب السودان الأسبق لدى الأمم المتحدة في جنيف ونائب رئيس مجلس حقوق الإنسان السابق، من خطورة اتساع نطاق التدخلات الخارجية في الحرب.
وقال إن أكثر من 12 دولة وجهة خارجية متورطة في الصراع بأشكال ومستويات مختلفة. وانتقد مشاركون ما وصفوه بازدواجية المعايير في التعامل مع هذه التدخلات، معتبرين أن التركيز على إدانة أطراف بعينها دون غيرها يحول المأساة السودانية إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، بدلاً من معالجة الأسباب التي تقف وراء استمرار القتال.
ونبه بن أبي طالب إلى خطورة أدوار دول الجوار والتدخلات الإقليمية التي تسهم، بحسب قوله، في تعقيد الصراع وإطالة أمده. ودعا إلى اعتماد مقاربة شاملة تتناول جميع صور التدخل الخارجي دون انتقائية، وتضع حماية المدنيين ووقف الحرب فوق الحسابات السياسية والمصالح الإقليمية.
وركز النقاش الحقوقي أيضاً على ضرورة ألا تقتصر المساءلة على الأطراف التي ترتكب الانتهاكات بصورة مباشرة، بل أن تمتد إلى بحث أدوار الجهات التي توفر أسباب استمرار الحرب أو تسهم في إطالة أمدها.
اتهامات الأسلحة الكيميائية تفرض تحقيقاً فنياً مستقلاً
وقدم عبد الباقي جبريل، مدير مركز السودان للمعرفة في جنيف، عرضاً تاريخياً للنزاعات المسلحة في السودان وأسبابها، وتناول الانتهاكات الجسيمة المرتكبة خلال الحرب الحالية. وحمّل طرفي النزاع مسؤولية الانتهاكات التي طالت المدنيين، كما تطرق إلى الاتهامات الموجهة إلى الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية.
وقال جبريل إن خطورة هذه الاتهامات تقتضي التعامل معها بوصفها قضية مرتبطة باحتمال استخدام أسلحة محظورة دولياً، وليست مجرد جانب من جوانب الصراع السياسي والعسكري في البلاد.
وشدد على ضرورة إخضاع الاتهامات لتحقيق دولي مستقل وشفاف يفحص الأدلة والوثائق والشهادات المتاحة، ويتحقق من طبيعة المواد التي يُشتبه في استخدامها، ويحدد المسؤوليات المحتملة. ودعا إلى التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بدلاً من الاكتفاء بالنفي الرسمي أو التحقيقات الداخلية التي تجريها السلطات في بورتسودان.
وأيد جبريل المطالب الدولية المتزايدة بإجراء تحقيق فني مستقل، مستشهداً بمواقف صدرت عن الولايات المتحدة ودول غربية خلال اجتماعات المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي. وقال إن تلك المواقف شددت على التعامل الجاد والشفاف مع الاتهامات، وتقديم المعلومات اللازمة للتحقق منها.
ويأتي طرح القضية في داكار بعد سلسلة من التحقيقات والتقارير الصحفية التي أثارت تساؤلات بشأن استخدام مواد كيميائية في الحرب، ومن بينها اتهامات بتصنيع ذخائر تحتوي على الكلور واستخدامها. وتظل هذه الاتهامات بحاجة إلى تحقيق فني متخصص يميز بين القرائن المتاحة والنتائج المثبتة علمياً.
واستحوذ ملف الأسلحة الكيميائية على مساحة واسعة من الجلسة، وسط تفاعل من ممثلي المنظمات الحقوقية المشاركة. وركزت المداخلات على المسؤوليات القانونية والجنائية التي قد تترتب إذا أثبت التحقيق استخدام أسلحة محظورة دولياً في النزاع السوداني.
المفوضية الإفريقية تؤيد تحقيقاً بالتنسيق الدولي
من جانبها، قالت ليتا موسيامي، عضو المفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب وعضو البعثة الإفريقية لتقصي الحقائق بشأن السودان، إن أعضاء المفوضية والبعثة مهتمون بالاتهامات المتعلقة باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية خلال الحرب، ووصفت الاتهامات بأنها خطيرة.
وأكدت موسيامي أهمية التعامل مع القضية بالجدية المطلوبة، نظراً إلى ما تثيره من مخاوف بشأن حماية المدنيين واحترام قواعد القانون الدولي والالتزامات المتعلقة بحظر الأسلحة الكيميائية. وأعلنت تأييدها إجراء تحقيق دولي مستقل وشفاف بالتنسيق مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بما يسمح بالاستفادة من الخبرات الفنية المتخصصة في فحص الأدلة والتحقق من الاتهامات.
وتمنح عضوية موسيامي في المفوضية الإفريقية والبعثة المعنية بتقصي الحقائق بشأن السودان مداخلتها صلة مباشرة بآليات حقوق الإنسان الإفريقية، في وقت يتسع فيه الاهتمام الحقوقي داخل القارة بالاتهامات، بالتزامن مع مطالب دولية متزايدة بالتحقق منها بعيداً عن التجاذبات السياسية والدبلوماسية.
التعاون المطلوب لإثبات المواد والمسؤوليات المحتملة
وبالتوازي مع المطالب بوقف الحرب وحماية المدنيين، ركز المشاركون على أن التحقيق الدولي المستقل يتطلب تعاون الجيش السوداني والسلطة القائمة في بورتسودان، وإتاحة المعلومات الضرورية للوصول إلى نتائج فنية بشأن طبيعة المواد المستخدمة والمسؤوليات المحتملة، تمهيداً لأي مسار للمساءلة يستند إلى أدلة مثبتة.