العودة للرئيسية
رياضة

الكرات الثابتة تتحول إلى سلاح تكتيكي لحسم مباريات كرة القدم

رفعت تحليلات البيانات والتخطيط المتخصص قيمة الركنيات والركلات الحرة ورميات التماس الطويلة، لتسهم بنسبة تراوح بين 25% و32% من أهداف الدوريين الإنجليزي والإسباني. وتبرز تجارب أرسنال وبرينتفورد ومانشستر سيتي في تطوير خطط هجومية دقيقة، مقابل ابتكار الأندية منظومات دفاعية مضادة لحماية المرمى وإدارة الكرة الثانية.

•5 دقائق

استمع إلى المقال

نسخة صوتية مولّدة آلياً.

0:00
0:00
لاعبو كرة قدم يتدربون في ملعب عشبي، ويرتدي عدد منهم قمصان نادي أرسنال. تظهر كرات قدم على أرض الملعب أثناء التمرين.

تحولت الكرات الثابتة في كرة القدم الحديثة من محاولات ترتبط بالعرضيات المباشرة والارتجال إلى خطط تكتيكية يجري إعدادها بالاستعانة بتحليل البيانات وتوزيع الأدوار وهندسة تحركات اللاعبين. ومع تقارب المستويات الفنية وانتشار التكتلات الدفاعية المنخفضة، أصبحت الركنيات والركلات الحرة ورميات التماس الطويلة وسيلة رئيسية لفتح المساحات الضيقة وحسم المباريات المغلقة.

ويصف مدرب أرسنال ميكيل أرتيتا الكرات الثابتة بأنها جزء لا يتجزأ من كرة القدم الحديثة، موضحا أنها تمنح الفريق القدرة على التحكم في تفاصيل صغيرة قد تتجاهلها فرق أخرى. وأضاف أن نيكولاس جوفر، مدرب الكرات الثابتة في النادي، يوفر لأرسنال خيارات تجعله يلعب في بعض اللحظات كما لو كان لديه مهاجم إضافي.

ويتفق المدرب السابق لمانشستر سيتي بيب غوارديولا مع أهمية هذا الجانب، خصوصا أمام المنافسين الذين يتراجعون بأعداد كبيرة. وقال إن الحلول التكتيكية المعتادة قد لا توفر المساحة الكافية في المباريات المغلقة أمام فرق تدافع بعشرة لاعبين خلف الكرة، معتبرا الكرات الثابتة بمثابة «الكبسولة» التي تتيح فتح أضيق المساحات.

أما المدرب السابق لبايرن ميونخ والمنتخب الألماني جوليان ناغلسمان، فيرى أن تأثير مدرب الكرات الثابتة داخل الجهاز الفني أصبح مماثلا لتأثير مدرب حراس المرمى. واعتبر أن عدم الاستعانة بمتخصص في هذا الجانب يعني التفريط مجانا في 20% من الحصيلة التهديفية للفريق.

البيانات ترفع مساهمة الكرات الثابتة

بين 25% و32%
نسبة مساهمة الكرات الثابتة في الأهداف

وتشير البيانات التحليلية الصادرة عن منصتي «أوبتا» و«ستايت بومب» إلى ارتفاع الأهمية الهجومية للمواقف الثابتة في الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى خلال المواسم الأخيرة. وبحسب هذه الأرقام، تسهم الركنيات والركلات الحرة ورميات التماس الطويلة بنسبة تراوح بين 25% و32% من إجمالي الأهداف المسجلة في الدوريين الإنجليزي الممتاز والإسباني.

ولم تقتصر الزيادة على عدد الأهداف، بل شملت جودة الفرص الناتجة عن كل ركنية. فقد ارتفع معدل الأهداف المتوقعة للركنية الواحدة من 0.03 في منظومات العرضيات التقليدية إلى نطاق يتراوح بين 0.08 و0.12 عند تطبيق الأساليب الحديثة، التي تقوم على الحجب المدروس والتمركز التكتيكي القوي داخل منطقة الجزاء.

أرسنال يبني تفوقه حول الركنيات

وتقوم خطة أرسنال على مجموعة من التحركات المترابطة، بينها تضييق نطاق حركة حارس المرمى وعزله في حدود ما يسمح به القانون. ويجمع الفريق عددا من لاعبيه عند القائم البعيد، قبل أن ينطلقوا بسرعة نحو القائم القريب، في محاولة لتشتيت مهام المدافعين وإرباك الرقابة وتهيئة المساحة أمام اللاعب المستهدف أو أمام الكرة الثانية.

برينتفورد يوسع مخزون الخطط التكتيكية

ويبرز برينتفورد الإنجليزي بدوره بين الأندية التي دمجت التحليل المتقدم للبيانات في إعداد المواقف الثابتة. ويستفيد النادي من خبرة الإيطالي جياني فيو، الذي يمتلك مجموعة تضم أكثر من 4800 مخطط تكتيكي مخصص للكرات الثابتة، ما يمنح الفريق خيارات متعددة تتغير بحسب المنافس وطريقة دفاعه.

وحقق برينتفورد رصيدا تراكميا بلغ 51.51 من الأهداف المتوقعة عبر الكرات الثابتة، ليتصدر بهذا الرقم أندية الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى. وتمثل المواقف الثابتة ورميات التماس الطويلة نحو 28% من كفاءته الهجومية، بما يعكس مكانتها داخل أسلوب لعب الفريق بدلا من التعامل معها بوصفها حلا عارضا.

ويرتكز جانب أساسي من إستراتيجية برينتفورد على تحويل رميات التماس الطويلة إلى مواقف تشبه الركنيات داخل منطقة الجزاء. وبعد إرسال الكرة، يركز اللاعبون على الفوز بالالتحام الأول، ثم اقتناص الكرة الثانية واستثمارها قبل أن يتمكن دفاع المنافس من إعادة تنظيم صفوفه أو إبعاد الخطر.

وتظهر نماذج أستون فيلا وإيفرتون أهمية الجمع بين القوة البدنية والتنوع في التنفيذ. وفي الأرقام المعروضة ضمن هذا الجانب، سجل أحد النموذجين 18 هدفا من المواقف الثابتة والركلات الحرة، بمعدل أهداف متوقعة بلغ 14.8، فيما تجاوز معدل تحويل فرص الركنيات إلى أهداف 11%، وهو من أعلى المعدلات المسجلة أوروبيا.

ويقوم النموذج الآخر على زيادة الكثافة البدنية والاستفادة من أصحاب القامات الطويلة في منطقة الجزاء. وأسفر هذا النهج عن تسجيل 17 هدفا من مواقف ثابتة، مثلت قرابة 31% من إجمالي الحصيلة التهديفية، وأسهمت بصورة مباشرة في البقاء وحسم المواجهات المباشرة. ولم تتجاهل الأندية التي تعتمد الاستحواذ واللعب المفتوح هذا السلاح.

مانشستر سيتي يفاجئ الدفاع بالتمرير القصير

فقد استعان غوارديولا في مانشستر سيتي بالمتخصص أورستين لانكي، وسجل الفريق ما بين 13 و14 هدفا من كرات ثابتة، مقابل معدل أهداف متوقعة بلغ 13.6. واختلف نهج مانشستر سيتي عن الاعتماد التقليدي على العرضية المباشرة، إذ استخدم التمرير القصير المفاجئ والتحركات العكسية قبل إرسال الكرة إلى منطقة الجزاء.

وتهدف هذه التحركات إلى تغيير زوايا الرؤية والرقابة، ثم مباغتة الفرق التي تتمركز في تكتل منخفض وتغلق المساحات القريبة من مرماها. وفي المقابل، دفعت الفاعلية المتزايدة للكرات الثابتة الأجهزة الفنية والمحللين إلى تطوير ما يعرف بهندسة الدفاع عن المواقف الثابتة.

واتجهت أندية كثيرة إلى المنظومة الهجينة بدلا من الاعتماد الكامل على دفاع المنطقة أو رقابة رجل لرجل، بحيث يحمي أربعة أو خمسة لاعبين أخطر المساحات أمام المرمى، بينما يراقب ثلاثة لاعبين أبرز مصادر الخطورة لدى المنافس. ويتضمن هذا النظام أيضا وضع لاعب عند القائم القريب للتعامل مع العرضيات المنخفضة وقطع مسارها مبكرا.

ويهدف توزيع المسؤوليات بهذه الصورة إلى حماية المناطق الأساسية، من دون منح أبرز لاعبي المنافس حرية الحركة أو فرصة الوصول إلى الكرة في المواجهات الفردية. وطورت الفرق إجراء مضادا لمحاولات عزل حارس المرمى، وهي الحيلة التي يستخدمها أرسنال.

ويقوم هذا الإجراء على تكليف مدافع قوي بدنيا بحماية الحارس وإبعاد مهاجم الخصم الذي يحاول تعطيل حركته، بما يمنح الحارس مساحة أكبر للخروج والتعامل مع الكرة قبل وصولها إلى اللاعب المستهدف. وتعتمد بعض المدارس التدريبية، ومنها مدرسة هانزي فليك، ما يعرف بمصيدة التسلل الديناميكية.

وفي هذه الخطة يتقدم خط الدفاع بالكامل خطوتين إلى الأمام فور لمس منفذ الركلة الحرة غير المباشرة للكرة، بهدف وضع لاعبي المنافس القادمين من الخلف في موقف تسلل وإفساد الجملة الهجومية قبل اكتمالها.

وتشمل الخطط الدفاعية كذلك إدارة الكرة الثانية ومنافذ الهجمات المرتدة، عبر وضع لاعبين سريعين عند حدود منطقة الجزاء. ويتولى هذان اللاعبان منع المنافس من استعادة الكرات المبعدة، مع الاستعداد لاستغلال تقدم مدافعيه وتحويل الموقف الدفاعي إلى هجمة مرتدة سريعة في الاتجاه المعاكس.