كشفت وثائق ومقابلات مع مسؤولين أميركيين عن تدخل ديفيد ميلستين، المساعد البارز للسفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، مراراً في تقارير وبرقيات أعدتها السفارة في القدس بشأن أنشطة إسرائيلية، عبر حجب بعضها أو إعادة صياغتها بطريقة أظهرت حكومة بنيامين نتنياهو بصورة أفضل أمام صناع القرار في واشنطن، وفق ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز.
ونفى هاكابي بشدة ما نُشر، لكنه لم يتطرق في رده إلى الوقائع المحددة التي عرضها التقرير. كما رفض السفير وميلستين طلبات لإجراء مقابلات معهما. وقالت وزارة الخارجية الأميركية إن فريقها يركز على تنفيذ أجندة «أميركا أولاً»، بينما أحال البيت الأبيض الأسئلة المتعلقة بالقضية إلى الوزارة.
تصاعد الجدل بشأن التوسع الاستيطاني
وتأتي هذه الإفادات وسط جدل دولي متصاعد بشأن التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. وكانت بريطانيا وكندا وفرنسا قد أعلنت، خلال الشهر السابق لنشر التقرير، فرض عقوبات على المستوطنات، بالتزامن مع استمرار النقاش بشأن السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية وموقف الإدارة الأميركية منها.
وقال ثلاثة مسؤولين إن موظفي السفارة أعدوا، في أواخر مارس، مذكرة عاجلة بعد موافقة إسرائيل دفعة واحدة على عدد غير مسبوق من المستوطنات الجديدة، وذلك خلال ذروة الحرب مع إيران. ورأى معدو المذكرة أن الخطوة ربما تتحدى أحد الخطوط الحمراء التي وضعها ترامب، غير أن الوثيقة لم تصل إلى المسؤولين في واشنطن بعدما أوقفها ميلستين، بحسب روايتهم.
وتحدث مسؤولون عن نمط مماثل خلال الربيع، عندما تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية. وقالوا إن ميلستين عرقل تقارير أشارت إلى تقاعس الحكومة الإسرائيلية، بينما أرسلت السفارة بدلاً منها برقية تشيد بتعامل إسرائيل مع تلك الهجمات، حملت عنوان: «الحكومة تتصدى بحزم للعنف المتصاعد في الضفة الغربية».
وأشار المسؤولون كذلك إلى تقرير آخر تناول إجراءً إسرائيلياً لتسهيل شراء الأراضي، إذ صيغ الإجراء في الوثيقة على أنه يهدف إلى تلبية احتياجات إنسانية للمستوطنين، من دون تفصيل طبيعة تلك الاحتياجات. واعتبر المسؤولون هذه الصياغة جزءاً من تدخلات أوسع أثرت في كيفية نقل التطورات من السفارة إلى دوائر صنع القرار الأميركية.
تقييد مراسلات القسم المختص بالشؤون الفلسطينية
وبحسب المسؤولين، بدأ ميلستين، عقب وصوله إلى القدس في أبريل 2025، يشترط الحصول على موافقته قبل إرسال مراسلات القسم المختص بالشؤون الفلسطينية. وتراجع نتيجة ذلك عدد البرقيات من عدة برقيات أسبوعياً إلى بضع برقيات شهرياً، فيما امتنع بعض الموظفين عن إعداد تقارير جديدة خشية حجبها أو إعادة صياغتها قبل وصولها إلى واشنطن.
وشملت التدخلات ملف التحقيقات في مقتل أميركيين من أصل فلسطيني. وقال مسؤولون إن السفارة أعدت في مارس تقريراً مفصلاً عن التحقيقات المتعلقة بمقتل تسعة منهم على أيدي مستوطنين أو قوات إسرائيلية، بعدما وجّه 30 عضواً في الكونغرس رسالة بهذا الشأن بقيادة السيناتور كريس فان هولين.
وخلص تقرير السفارة، وفق المصادر، إلى أن معظم التحقيقات لم تحقق تقدماً يُذكر، وأن بعض القضايا أُغلق من دون توجيه اتهام إلى أي شخص. وقال المسؤولون إن ميلستين اقترح استبدال ذلك برسالة تفيد بأن إسرائيل تتعامل مع القضايا بصورة مناسبة. وفي الرابع من مايو، تحدث الرد الرسمي عن العمل مع إسرائيل لضمان المحاسبة. وقال فان هولين إن غياب المحاسبة يعرّض مزيداً من المواطنين الأميركيين للخطر.
وجاء موقفه في سياق مطالب أعضاء الكونغرس بالحصول على معلومات بشأن مسار التحقيقات والإجراءات المتخذة في قضايا مقتل الأميركيين التسعة، بينما أظهرت الوثيقة الأصلية التي أعدها موظفو السفارة تعثر معظم تلك التحقيقات أو إغلاق بعضها.
إعادة صياغة تقارير عن التحقيقات وعمليات غزة
وفي صيف 2025، أعاد ميلستين، وفق مسؤولين اطلعوا على البرقية، كتابة تقرير دبلوماسي كان يحذر من الفوضى والمخاطر المرتبطة بعمليات مؤسسة غزة الإنسانية. وقال المسؤولون إن الصيغة المعدلة أعلنت نجاح عمليات المؤسسة، متجاهلة سقوط ضحايا بأعداد كبيرة خلال تلك العمليات. وأفاد أربعة مسؤولين أيضاً بأن ميلستين سأل زملاء له عما إذا كانوا مؤيدين لإسرائيل أو لحماس.
واعتبر هؤلاء أن توجيه السؤال إلى موظفين دبلوماسيين تصرف غير لائق، وقالوا إنه دفع بعض العاملين إلى الخشية من التعبير بحرية عن تقييماتهم أو مناقشة المعلومات المتعلقة بالتطورات الميدانية والسياسات الإسرائيلية.
انتقادات لمسار التقارير داخل الإدارة الأميركية
وقال دان كورتزر، السفير الأميركي الأسبق لدى إسرائيل خلال عهد الرئيس جورج بوش الابن، إن واجب السفارة يتمثل في إبلاغ واشنطن بكل شيء، وإن عدم القيام بذلك يضر بعملية صنع السياسات، وقد يؤدي إلى تقويض السياسات التي يحددها الرئيس. وأفاد أربعة مسؤولين بأن مسؤولين كباراً في واشنطن، من بينهم مسؤولون في البيت الأبيض، عبّروا عن إحباطهم من بعض تصرفات ميلستين.
وأضاف المسؤولون أن مسؤولين في واشنطن تجاوزوا القنوات الدبلوماسية المعتادة مرتين على الأقل، وتواصلوا مباشرة مع موظفي السفارة للحصول على المعلومات. ويعكس ذلك، وفق روايتهم، قلقاً داخل الإدارة من تأثير التعديلات والحجب في تدفق التقارير الميدانية من القدس إلى الجهات الأميركية المعنية بوضع السياسات.
وقال المسؤولون إن هاكابي يوقع على معظم البرقيات الصادرة عن السفارة، وإنه أوقف ميلستين في حالات اعتبر أنه تجاوز فيها الحد، لكنه عمل معه في أحيان أخرى على إعادة صياغة المعلومات. وكان هاكابي قد أعلن «ثقته المطلقة» بمساعده بعد مقال نقدي تناول دعوة ميلستين ضيوف زفافه إلى تقديم المال له هدية، ووصف السفير الرواية المنشورة بأنها تفتقر إلى الحقائق.
وعمل ميلستين سابقاً مساعداً للسيناتور تيد كروز، ثم للسفير الأميركي الأسبق لدى إسرائيل خلال إدارة ترامب ديفيد فريدمان، ولاحقاً لحاكم فلوريدا رون ديسانتيس. كما أنه ابن زوجة المذيع اليميني مارك ليفين، المعروف بقربه من ترامب ونتنياهو.